تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

نزلت دفعة واحدة فكيف يصح أن يقال : إن سبب نزول هذه الآية كذا ، وأن الكفار كانوا مقرين بالله تعالى وكانوا يقولون : عبدنا الأصنام لتكون شفعاء لنا عند الله فكيف يعقل إقدام الكفار على شتم الله تعالى اه .

وأقول : يدفع الإشكال الأول أن سبب النزول ليس يلزم أن يكون مقارنا للنزول فإن السبب قد يتقدم زمانه ثم يشار إليه في الآية النازلة فتكون الآية جوابا عن أقوالهم . وقد أجاب الفخر بمثل هذا عند قوله تعالى : ﴿ ولو أننا نزلنا إليهم الملائكة ﴾ ( الأنعام : 111 ) الآية . ويدفع الإشكال الثاني أن المشركين قالوا لئن لم تنته عن سب آلهتنا لنهجون إلهك ، ومعناه أنهم ينكرون أن الله هو إلهه ولذلك أنكروا الرحمان ﴿ وإذا قيل لهم اسجدوا للرحمان قالوا وما الرحمان أنسجد لما تأمرنا وزادهم نفورا ﴾ ( الفرقان : 60 ) . فهم ينكرون أن الله أمره بذم آلهتهم لأنهم يزعمون أن آلهتهم مقربون عند الله ، وإنما يزعمون أن شيطانا يأمر النبيء صلى الله عليه وسلم بسب الأصنام ، ألا ترى إلى قول امرأة منهم لما فتر الوحي في ابتداء البعثة : ما أرى شيطانه إلا ودعه ، وكان ذلك سبب نزول سورة الضحى .

وجواب الفخر عنه ﴿ بأن بعضهم كان لا يثبت وجود الله وهم الدهريون ، أو أن المراد أنهم يشتمون الرسول عليه الصلاة والسلام فأجرى الله شتم الرسول مجرى شتم الله كما في قوله تعالى : إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله ﴾ ( الفتح : 10 ) ) اه . فإن في هذا التأويل بعدا لا داعي إليه .

والوجه في تفسير الآية أنه ليس المراد بالسب المنهي عنه فيها ما جاء في القرآن من إثبات نقائص آلهتهم مما يدل على انتفاء إلهيتها ، كقوله تعالى : ﴿ أولئك كالأنعام بل هم أضل في سورة الأعراف ( 179 ) . وأما ما عداه من نحو قوله تعالى : ألهم أرجل يمشون بها ﴾ ( الأعراف : 195 ) فليس من الشتم ولا من السب لأن ذلك من طريق الاحتجاج وليس تصديا للشتم ، فالمراد في الآية ما يصدر من بعض المسلمين من كلمات الذم والتعبير لآلهة المشركين ، كما روي في ( السيرة ) أن عروة بن مسعود الثقفي جاء رسولا من أهل مكة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الحديبية فكان من جملة ما قاله : ( وأيم الله لكأني

تفسير التحرير والتنوير · الجزء ٧ · الصفحة ٤٢٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تفسير التحرير والتنويرج ٧ · ص ٤٢٩