تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

بها بمنزلة ابتداء السير من جانبه تعالى ، وهو منزه عن المكان والزمان ، فالابتداء مجاز لغوي ، أو هو مجاز بالحذف بتقدير : من إرادة ربكم . والمقصود التنويه بهذه التعاليم والذكريات التي بها البصائر ، والحث على العمل بها ، لأنها مسداة إليهم ممن لا يقع في هديه خلل ولا خطأ ، مع ما في ذكر الرب وإضافته من تربية المهابة وتقوية داعي العمل بهذه البصائر .

ولذلك فرع عليه قوله : ﴿ فمن أبصر فلنفسه ﴾ ، أي فلا عذر لكم في الاستمرار على الضلال بعد هذه البصائر ، ولا فائدة لغيركم فيها ( فمن أبصر فلنفسه أبصر ) ، أي من علم الحق فقد علم علما ينفع نفسه ، ﴿ ومن عمي ﴾ أي ضل عن الحق فقد ضل ضلالا وزره على نفسه .

فاستعير الإبصار في قوله : ﴿ أبصر ﴾ للعلم بالحق والعملل به لأن المهتدي بهذا الهدي الوارد من الله بمنزلة الذي نور له الطريق بالبدر أو غيره ، فأبصره وسار فيه ، وبهذا الاعتبار يجوز أن يكون ﴿ أبصر ﴾ تمثيلا موجزا ضمن فيه تشبيه هيئة المرشد إلى الحق إذا عمل بها أرشد به ، بهيئة المبصر إذا انتفع ببصره .

واستعير العمى في قوله : ﴿ عمي ﴾ للمكابرة والاستمرار على الضلال بعد حصول ما شأنه أن يقلعه لأن المكابر بعد ذلك كالأعمى لا ينتفع بإنارة طريق ولا بهدي هاد خريتت . ويجوز اعتبار التمثيلية فيه أيضا كاعتبارها في ضده السابق .

واستعمل اللام في الأول استعارة للنفع لدلالتها على الملك وإنما يملك الشيء النافع المدخر للنوائب ، واستعيرت ( على ) في الثاني للضر والتبعة لأن الشيء الضار ثقيل على صاحبه يكلفه تعبا وهو كالحمل الموضوع على ظهره ، وهذا معروف في الكلام البليغ ، قال تعالى : ﴿ من عمل صالحا فلنفسه ﴾ ( فصلت : 46 ) ، وقال ﴿ من اهتدى فإنما يهتدي لنفسه ومن ضل فإنما يضل عليها ﴾ ( الإسراء : 15 ) ،

تفسير التحرير والتنوير · الجزء ٧ · الصفحة ٤١٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تفسير التحرير والتنويرج ٧ · ص ٤١٩