فكيف لو رأوني ) . ومن المفسرين من فسر الغيب بالدنيا . وقال ابن عطية : الظاهر أن المعنى بالغيب عن الناس ، أي في الخلوة . فمن خاف الله انتهى عن الصيد في ذات نفسه ، يعني أن المجرور للتقييد ، أي من يخاف الله وهو غائب عن أعين الناس الذين يتقى إنكارهم عليه أو صدهم إياه وأخذهم على يده أو التسميع به ، وهذا ينظر إلى ما بنوا عليه أن الآية نزلت في صيد غشيهم في سفرهم عام الحديبية يغشاهم في رحالهم وخيامهم ، أي كانوا متمكنين من أخذه بدون رقيب ، أو يكون الصيد المحذر من صيده مماثلا لذلك الصيد .
وقوله : ﴿ فمن اعتدى بعد ذلك فله عذاب أليم ﴾ تصريح بالتحذير الذي أومأ إليه بقوله ﴿ ليبلونكم ﴾ ، إذ قد أشعر قوله : ﴿ ليبلونكم ﴾ أن في هذا الخبر تحذيرا من عمل قد تسبق النفس إليه . والإشارة بذلك إلى التحذير المستفاد من ﴿ ليبلونكم ﴾ ، أي بعدما قدمناه إليكم وأعذرنا لكم فيه ، فلذلك جاءت بعده فاء التفريع . والمراد بالاعتداء الاعتداء بالصيد ، وسماه اعتداء لأنه إقدام على محرم وانتهاك لحرمة الإحرام أو الحرم .
وقوله : ﴿ فله عذاب أليم ﴾ ، أي عقاب شديد في الآخرة بما اجترأ على الحرم أو على الإحرام أو كليهما ، وبما خالف إنذار الله تعالى ، وهذه إذا اعتدى ولم يتدارك اعتداءه بالتوبة أو الكفارة ، فالتوبة معلومة من أصول الإسلام ، والكفارة هي جزاء الصيد ، لأن الظاهر أن الجزاء تكفير عن هذا الاعتداء كما سيأتي . روى ابن أبي حاتم عن ابن عباس : العذاب الأليم أنه يوسع بطنه وظهره جلدا ويسلب ثيابه وكان الأمر كذلك به في الجاهلية ) . فالعذاب هو الأذى الدنيوي ، وهو يقتضي أن هذه الآية قررت ما كان يفعله أهل الجاهلية ، فتكون الآية الموالية لها نسخا لها . ولم يقل بهذا العقاب أحد من فقهاء الإسلام فدل ذلك على أنه أبطل بما في الآية الموالية ، وهذا هو الذي يلتئم به معنى الآية مع معنى التي تليها . ويجوز أن يكون الجزاء من قبيل ضمان المتلفات ويبقى إثم الاعتداء فهو موجب العذاب الأليم . فعلى التفسير المشهور لا يسقطه إلا التوبة ، وعلى ما نقل عن ابن عباس يبقى الضرب تأديبا ، ولكن هذا لم يقل به أحد من فقهاء الإسلام ، والظاهر أن سلبه كان يأخذه فقراء مكة مثل جلال البدن ونعالها .