تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

للناس في ظلمات البر والبحر يهتدون بها . وقد كان ضبط حركات النجوم ومطالعها ومغاربها من أقدم العلوم البشرية ظهر بين الكلدانيين والمصريين القدماء . وذلك النظام هو الذي أرشد العلماء إلى تدوين علم الهيئة .

والمقصود الأول من هذا الخبر الاستدلال على وحدانية الله تعالى بالإلهية ، فلذلك صيغ بصيغة القصر بطريق تعريف المسند والمسند إليه ، لأن كون خلق النجوم من الله وكونها مما يهتدى بها لا ينكره المخاطبون ولكنهم لم يجروا على ما يقتضيه من إفراده بالعبادة .

والنجوم جمع نجم ، وهو الكوكب ، أي الجسم الكروي المضيء في الأفق ليلا الذي يبدو للعين صغيرا ، فليس القمر بنجم .

و ﴿ جعل ﴾ هنا بمعنى خلق ، فيتعدى إلى مفعول واحد و ﴿ لكم ﴾ . متعلق ب ﴿ جعل ﴾ ، والضمير للبشر كلهم ، فلام ﴿ لكم ﴾ للعلة .

وقوله : ﴿ لتهتدوا بها ﴾ علة ثانية ل ﴿ جعل ﴾ فاللام للعلة أيضا ، وقد دلت الأولى على قصد الامتنان ، فلذلك دخلت على ما يدل على الضمير الدال على الذوات ، كقوله : ﴿ ألم نشرح لك صدرك ﴾ ( الشرح : 1 ) ، واللام الثانية دلت على حكمة الجعل وسبب الامتنان وهو ذلك النفع العظيم . ولما كان الاهتداء من جملة أحوال المخاطبين كان موقع قوله : ﴿ لتهتدوا ﴾ قريبا من موقع بدل الاشتمال بإعادة العامل ، وقد تقدم ذلك عند قوله تعالى : { تكون لنا عيدا لأولنا وآخرنا في سورة المائدة ( 114 ) .

والمراد بالظلمات : الظلمة الشديدة ، فصيغة الجمع مستعملة في القوة . وقد تقدم أن الشائع أن يقال : ظلمات ، ولا يقال : ظلمة ، عند قوله تعالى : وتركهم في ظلمات لا يبصرون في سورة البقرة ( 17 ) .

وإضافة ظلمات } إلى ﴿ البر والبحر ﴾ على معنى ( في ) لأن الظلمات واقعة في

تفسير التحرير والتنوير · الجزء ٧ · الصفحة ٣٩٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تفسير التحرير والتنويرج ٧ · ص ٣٩٣