بمجيء الرسول المقفى على نبوءة أصحاب تلك الكتب ، فمجيء القرآن قد أظهر صدق ما وعدت به تلك الكتب ودل على أنها من عند الله .
وثانيهما : أن القرآن مصدق أنبيائها وصدقها وذكر نورها وهداها ، وجاء بما جاءت به من أصول الدين والشريعة . ثم إن ما جاء به من الأحكام التي لم تكن ثابتة فيها لا يخالفها . وأما ما جاء به من الأحكام المخالفة للأحكام المذكورة فيها من فروع الشريعة فذلك قد يبين فيه أنه لأجل اختلاف المصالح ، أو لأن الله أراد التيسير بهذه الأمة .
ومعنى : ﴿ بين يديه ﴾ ما سبقه ، وقد تقدم بيانه عند قوله تعالى : { فإنه نزله على قلبك بإذن الله مصدقا لما بين يديه في سورة البقرة ( 97 ) ، وعند قوله : ومصدقا لما بين يدي من التوراة في سورة آل عمران ( 50 ) .
وأما جملة ولتنذر أم القرى } فوجود واو العطف في أولها مانع من تعليق ﴿ لتنذر ﴾ بفعل ﴿ أنزلناه ﴾ ، ومن جعل المجرور خبرا عن ﴿ كتاب ﴾ خلافا للتفتزاني ، إذ الخبر إذا كان مجرورا لا يقترن بواو العطف ولا نظير لذاك في الاستعمال ، فوجود لام التعليل مع الواو مانع من جعلها خبرا آخر ل ﴿ كتاب ﴾ ، فلا محيص عند توجيه انتظامها مع ما قبلها من تقدير محذوف أو تأويل بعض ألفاظها ، والوجه عندي أنه معطوف على مقدر ينبىء عنه السياق . والتقدير : ليؤمن أهل الكتاب بتصديقه ولتنذر المشركين . ومثل هذا التقدير يطرد في نظائر هذه الآية بحسب ما يناسب أن يقدر . وهذا من أفانين الاستعمال الفصيح . ونظيره قوله تعالى : { هذا بلاغ للناس ولينذروا به وليعلموا أنما هو إله واحد وليذكر أولوا الألباب في سورة إبراهيم ( 52 ) .
ووقع في الكشاف } أن ﴿ ولتنذر ﴾ معطوف على ما دلت عليه صفة الكتاب ، كأنه قيل : أنزلناه للبركات وتصديقق ما تقدمه والإنذار اه . وهذا وإن استتب في هذه الآية فهو لا يحسن في آية سورة إبراهيم ، لأن لفظ ( بلاغ ) اسم ليس