استئناف ابتدائي للتنويه بهم ، فهي فذلكة ثانية ، لأن الفذلكة الأولى راجعة إلى ما في الجمل السابقة من الهدى وهذه راجعة إلى ما فيها من المهديين .
واسم الإشارة لزيادة الاعتناء بتمييزهم وإخطار سيرتهم في الأذهان . والمشار إليهم هم المعينون بأسمائهم والمذكورون إجمالا في قوله : ﴿ ومن آبائهم وذرياتهم وإخوانهم ﴾ ( الأنعام : 87 ) . و ﴿ الذين آتيناهم الكتاب ﴾ خبر عن اسم الإشارة .
والمراد بالكتاب الجنس : أي الكتب . وإيتاء الكتاب يكون بإنزال ما يكتب ، كما أنزل على الرسل وبعضض الأنبياء ، وما أنزل عليهم يعتبر كتابا ، لأن شأنه أن يكتب سواء كتب أم لم يكتب . وقد نص القرآن على أن إبراهيم كانت له صحف بقوله : ﴿ صحف إبراهيم وموسى ﴾ ( الأعلى : 19 ) وكان لعيسى كلامه الذي كتب في الإنجيل . ولداوود الكلام الصادر منه تبليغا عن الله تعالى ، وكان نبيئا ولم يكن رسولا ، ولسليمان الأمثال ، والجامعة ، والنشيد المنسوب في ثلاثتها أحكام أمر الله بها . ويقال : إن إدريس كتب الحكمة في صحف وهو الذي يسميه الإسرائليون ( أخنوخ ) ويدعوه القبط ( توت ) ويدعوه الحكماء ( هرمس ) . ويكون إيتاء الكتاب بإيتاء النبيء فهم ونبيين الكتب المنزلة قبله ، كما أوتي أنبياء بني إسرائيل من بعد موسى أمثال يحيى فقد قال تعالى له ﴿ يا يحيى خذ الكتاب بقوة ﴾ ( مريم : 12 ) .
والحكم هو الحكمة ، أي العلم بطرق الخير ودفع الشر . قال تعالى في شأن يحيى ﴿ وآتيناه الحكم صبيا ﴾ ( مريم : 12 ) ، ولم يكن يحيى حاكما أي قاضيا ، وقد يفسر الحكم بالقضاء بالحق كما في قوله تعالى في شأن داوود وسليمان ﴿ وكلا آتينا حكما وعلما ﴾ ( الأنبياء : 79 ) .
وإيتاء هذه الثلاث على التوزيع ، فمنهم من أوتي جميعها وهم الرسل منهم والأنبياء الذين حكموا بين الناس مثل داوود وسليمان ، ومنهم من أوتي بعضها وهم الأنبياء غير الرسل والصالحون منهم غير الأنبياء ، وهذا باعتبار شمول اسم الإشارة لآبائهم وذرياتهم وإخوانهم .