تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

والأظهر أن ( ما ) في قوله ﴿ ما تشركون ﴾ موصولة وأن العائد محذوف لأجل الفاصلة ، أي ما تشركون به ، كما سيأتي في قوله : ﴿ ولا أخاف ما تشركون به ﴾ ( الأنعام : 80 ) لأن الغالب في فعل البراءة أن يتعلق بالذوات ، ولئلا يتكرر مع قوله بعده ﴿ وما أنا من المشركين ﴾ . ويجوز أن تكون ( ما ) مصدرية ، أي من إشراككم ، أي لا أتقلده .

وتسميته عبادتهم الأصنام إشراكا لأن قومه كانوا يعترفون بالله ويشركون معه في الإلهية غيره كما كان إشراك العرب وهو ظاهر أي القرآن حيث ورد فيها الاحتجاج عليهم بخالق السماوات والأرض ، وهو المناسب لضرب المثل لمشركي العرب بشأن إبراهيم وقومه ، ولقوله الآتي ﴿ الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم ﴾ ( الأنعام : 82 ) .

وجملة ﴿ إني وجهت وجهي ﴾ بمنزلة بدل الاشتمال من جملة ﴿ إني بريء مما تشركون ﴾ ، لأن البراءة من الإشراك تشتمل على توجيه الوجه إلى الله ، وهو إفراده بالعبادة . والوجه في قوله : ﴿ وجهي ﴾ . و ﴿ وجهت ﴾ مشتق من الجهة والوجهة ، أي صرفته إلى جهة ، أي جعلت كذا جهة له يقصدها . يقال : وجهه فتوجه إلى كذا إذا ذهب إليه . ويقال للمكان المقصود وجهة بكسر الواو ، وكأنهم صاغوه على زنة الهيئة من الوجه لأن القاصد إلى مكان يقصده من نحو وجهه ، وفعلوه على زنة الفعلة بكسر الفاء لأن قاصد المكان بوجهه تحصل هيئة في وجهه وهي هيئة العزم وتحديق النظر . فمعنى ﴿ وجهت وجهي ﴾ صرفته وأدرته . وهذا تمثيل : شبهت حالة إعراضه عن الأصنام وقصده إلى إفراد الله تعالى بالعبادة بمن استقبل بوجهه شيئا وقصده وانصرف عن غيره .

وأتي بالموصول في قوله : ﴿ للذي فطر السماوات والأرض ﴾ ليومىء إلى علة توجهه إلى عبادته ، لأن الكواكب من موجودات السماء ، والأصنام من موجودات الأرض فهي مفطورة لله تعالى .

وفعل ( وجه ) يتعدى إلى المكان المقصود بإلى ، وقد يتعدى باللام إذا أريد أنه انصرف لأجل ذلك الشيء ، فيحسن ذلك إذا كان الشيء المقصود مراعى إرضاؤه

تفسير التحرير والتنوير · الجزء ٧ · الصفحة ٣٢٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تفسير التحرير والتنويرج ٧ · ص ٣٢٣