لأنه لا يغني عن عباده فيما يحتاجونه حين مغيبه . وليس الاستدلال منظورا فيه إلى التغير لأن قومه لم يكونوا يعلمون الملازمة بين التغير وانتفاء صفة الإلهية ، ولأن الأفول ليس بتغير في ذات الكوكب بل هو عرض للأبصار المشاهدة له ، أما الكوكب فهو باق في فلكه ونظامه يغيب ويعود إلى الظهور وقوم إبراهيم يعلمون ذلك فلا يكون ذلك مقنعا لهم .
ولأجل هذا احتج بحالة الأفول دون حالة البزوغ فإن البزوغ وإن كان طرأ بعد أفول لكن الأفول السابق غير مشاهد لهم فكان الأفول أخصر في الاحتجاج من أن يقول : إن هذا البازغ كان من قبل آفلا .
وقوله : ﴿ فلما رأى القمر بازغا ﴾ الخ عطف على جملة محذوفة دل عليها الكلام . والتقدير : فطلع القمر فلما رآه بازغا ، فحذفت الجملة للإيجاز وهو يقتضي أن القمر طلع بعد أفول الكوكب ، ولعله اختار لمحاجة قومه الوقت الذي يغرب فيه الكوكب ويطلع القمر بقرب ذلك ، وأنه كان آخر الليل ليعقبهما طلوع الشمس . وأظهر اسم ﴿ القمر ﴾ لأنه حذف معاد الضمير . والبازغ : الشارق في ابتداء شروقه ، والبزوغ ابتداء الشروق .
وقوله ﴿ هذا ربي ﴾ أفاد بتعريف الجزأين أنه أكثر ضوءا من الكوكب فإذا كان استحقاق الإلهية بسبب النور فالذي هو أشد نورا أولى بها من الأضعف . واسم الإشارة مستعمل في معناه الكنائي خاصة وهو كون المشار إليه مطلوبا مبحوثا عنه كما تقدم آنفا .
وقوله : ﴿ فلما أفل قال لئن لم يهدني ربي لأكونن من القوم الضالين ﴾ قصد به تنبيه قومه للنظر في معرفة الرب الحق وأنه واحد ، وأن الكوكب والقمر كليهما لا يستحقان ذلك مع أنه عرض في كلامه بأن له ربا يهديه وهم لا ينكرون عليه ذلك لأنهم قائلون بعدة أرباب . وفي هذا تهيئة لنفوس قومه لما عزم عليه من التصريح بأن له ربا غير الكواكب . ثم عرض بقومه أنهم ضالون وهيأهم قبل المصارحة للعلم بأنهم ضالون ، لأن قوله : ﴿ لأكونن من القوم الضالين ﴾ يدخل على