وقوله : وأن أقيموا الصلاة } إن جعلت ( أن ) فيه مصدرية على قول سيبويه ، إذ يسوغ دخول ( أن ) المصدرية على فعل الأمر فتفيد الأمر والمصدرية معا لأن صيغة الأمر لم يؤت بها عبثا ، فقول المعربين : إنه يتجرد عن الأمرية ، مرادهم به أنه تجرد عن معنى فعل الأمر إلى معنى المصدرية فهو من عطف المفردات . وهو إما عطف على ﴿ لنسلم ﴾ بتقدير حرف جر محذوف قبل ( أن ) وهو الباء . وتقدير الحرف المحذوف يدل عليه معنى الكلام ، وإما عطف على معنى ﴿ لنسلم ﴾ لأنه وقع في موقع بأن نسلم ، كما تقدم عن الزجاج . فالتقدير : أمرنا بأن نسلم ، ثم عطف عليه ﴿ وأن أقيموا ﴾ أي وأمرنا بأن أقيموا ، والعطف على معنى اللفظ وموقعه استعمال عربي ، كقوله تعالى : ﴿ لولا أخرتني إلى أجل قريب فأصدق وأكن ﴾ ( المنافقون : 10 ) إذ المعنى إن تؤخرني أصدق وأكن .
وإن جعلت ( أن ) فيه تفسيرية فهو من عطف الجمل . فيقدر قوله : ﴿ أمرنا لنسلم ﴾ بأمرنا أن أسلموا لنسلم ﴿ وأن أقيموا الصلاة ﴾ ، أي لنقيم فيكون في الكلام احتباك .
وأظهر من هذا أن تكون ( أن ) تفسيرية . وهي تفسير لما دلت عليه واو العطف من تقدير العامل المعطوف عليه ، وهو ﴿ وأمرنا ﴾ ، فإن ﴿ أمرنا ﴾ فيه معنى القول دون حروفه فناسب موقع ( أن ) التفسيرية .
وتقدم معنى إقامة الصلاة في صدر سورة البقرة ( 3 ) .
و ﴿ اتقوه ﴾ عطف على ﴿ أقيموا ﴾ ويجري فيه ما قرر في قوله ﴿ وأن أقيموا ﴾ . والضمير المنصوب عائد إلى ﴿ رب العالمين ﴾ وهو من الكلام الذي أمروا بمقتضاه بأن قال الله للمؤمنين : أسلموا لرب العالمين وأقيموا الصلاة واتقوه . ويجوز أن يكون محكيا بالمعنى بأن قال الله : اتقون ، فحكي بما يوافق كلام النبي المأمور بأن يقوله بقوله تعالى : ﴿ قل إن هدى الله هو الهدى ﴾ ، كما في حكاية قول عيسى : ﴿ ما قلت لهم إلا ما أمرتني به أن اعبدوا الله ربي وربكم ﴾ ( المائدة : 117 ) .