تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وجملة : ﴿ ويعلم ما في البر والبحر ﴾ عطف على جملة ﴿ لا يعلمها إلا هو ﴾ ، أو على جملة ﴿ وعنده مفاتح الغيب ﴾ ، لأن كلتيهما اشتملت على إثبات علم لله ونفي علم عن غيره ، فعطفت عليهما هذه الجملة التي دلت على إثبات علم لله تعالى ، دون نفي علم غيره وذلك علم الأمور الظاهرة التي قد يتوصل الناس إلى علم بعضها ، فعطف هذه الجملة على جملة ﴿ وعنده مفاتح الغيب ﴾ لإفادة تعميم علمه تعالى بالأشياء الظاهرة المتفاوتة في الظهور بعد إفادة علمه بما لا يظهر للناس .

وظهور ما في البر للناس على الجملة أقوى من ظهور ما في البحر . وذكر البر والبحر لقصد الإحاطة بجميع ما حوته هذه الكرة ، لأن البر هو سطح الأرض الذي يمشي فيه الحيوان غير سابح ، والبحر هو الماء الكثير الذي يغمر جزءا من الأرض سواء كان الماء ملحا أم عذبا . والعرب تسمي النهر بحرا كالفرات ودجلة . والموصول للعموم فيشمل الذوات والمعاني كلها .

وجملة : ﴿ وما تسقط من ورقة ﴾ عطف على جملة : ﴿ ويعلم ما في البر والبحر ﴾ لقصد زيادة التعميم في الجزئيات الدقيقة . فإحاطة العلم بالخفايا مع كونها من أضعف الجزئيات مؤذن بإحاطة العلم بما هو أعظم أولى به . وهذه من معجزات القرآن فإن الله علم ما يعتقده الفلاسفة وعلم أن سيقول بقولهم من لا رسوخ له في الدين من أتباع الإسلام فلم يترك للتأويل في حقيقة علمه مجالا ، إذ قال : ﴿ وما تسقط من ورقة إلا يعلمها ولا حبة في ظلمات الأرض ﴾ كما سنبين الاختيار في وجه إعرابه .

والمراد بالورقة ورقة من الشجر . وحرف ( من ) زائد لتأكيد النفي ليفيد العموم نصا . وجملة ﴿ يعلمها ﴾ في موضع الحال من ﴿ ورقة ﴾ الواقعة في حيز النفي المستغنية بالعموم عن الصفة . وذلك لأن الاستثناء مفرغ من أحوال ، وهذه الحال حال لازمة بعد النفي حصل بها مع الفعل المنفي الفائدة الاستثناء من عموم الأحوال ، أي ما تسقط من ورقة في حالة إلا حالة يعلمها .

والأظهر في نظم قوله : ﴿ وما تسقط من ورقة ﴾ أن يكون ﴿ ورقة ﴾ في محل المبتدأ مجرور ب ﴿ من ﴾ الزائدة ، وجملة ﴿ تسقط ﴾ صفة ل ﴿ ورقة ﴾ مقدمة عليها فتعرب حالا ،

تفسير التحرير والتنوير · الجزء ٧ · الصفحة ٢٧٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تفسير التحرير والتنويرج ٧ · ص ٢٧٢