الواو استئنافية كما تقدم في قوله : ﴿ وكذلك فتنا بعضهم ببعض ﴾ ( الأنعام : 53 ) . والجملة تذييل للكلام الذي مضى مبتدئا بقوله تعالى : ﴿ وأنذر به الذين يخافون أن يحشروا إلى ربهم ﴾ ( الأنعام : 51 ) .
والتفصيل : التبيين والتوضيح ، مشتق من الفصل ، وهو تفرق الشيء عن الشيء . ولما كانت الأشياء المختلطة إذا فصلت يتبين بعضها من بعض أطلق التفصيل على التبيين بعلاقة اللزوم ، وشاع ذلك حتى صار حقيقة ، ومن هذا القبيل أيضا تسمية الإيضاح تبيينا وإبانة ، فإن أصل الإبانة القطع . والمراد بالتفصيل الإيضاح ، أي الإتيان بالآيات الواضحة الدلالة على المقصود منها .
والآيات : آيات القرآن . والمعنى نفصل الآيات ونبينها تفصيلا مثل هذا التفصيل الذي لا فوقه تفصيل ، وهو تفصيل يحصل به علم المراد منها بينا .
وقوله : ﴿ ولتستبين ﴾ عطف على علة مقدرة دل عليها قوله : ﴿ وكذلك نفصل الآيات ﴾ لأن المشار إليه التفصيل البالغ غاية البيان ، فيعلم من الإشارة إليه أن الغرض منه اتضاح العلم للرسول . فلما كان ذلك التفصيل بهذه المثابة علم منه أنه علة لشيء يناسبه وهو تبين الرسول ذلك التفصيل ، فصح أن تعطف عليه علة أخرى من علم الرسول صلى الله عليه وسلم وهي استبانته سبيل المجرمين . فالتقدير مثلا : وكذلك التفصيل نفصل الآيات لتعلم بتفصيلها كنهها ، ولتستبين سبيل المجرمين ، ففي الكلام إيجاز الحذف .
وهكذا كلما كان استعمال ( كذلك ) نفعل بعد ذكر أفعال عظيمة صالحا الفعل المذكور بعد الإشارة لأن يكون علة لأمر من شأنه أن يعلل بمثله صح أن تعطف عليه علة أخرى كما هنا ، وكما في قوله : ﴿ وكذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض وليكون من الموقنين ﴾ ( الأنعام : 75 ) بخلاف ما لا يصلح ، ولذلك فإنه إذا أريد ذكر علة بعده ذكرت بدون عطف ، نحو قوله : ﴿ وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ﴾ ( البقرة : 143 ) .
و ﴿ سبيل المجرمين ﴾ طريقهم وسيرتهم في الظلم والحسد والكبر واحتقار الناس والتصلب في الكفر .