ومعنى ﴿ يؤمنون بآياتنا ﴾ أنهم يوقنون بأن الله قادر على أن ينزل آيات جمة . فهم يؤمنون بما نزل من الآيات وبخاصة آيات القرآن وهو من الآيات ، قال تعالى : ﴿ أو لم يكفهم أنا أنزلنا عليك الكتاب يتلى عليهم ﴾ ( العنكبوت : 51 ) .
وقوله : ﴿ فقل سلام عليكم ﴾ قيل : معناه حيهم بتحية الإسلام ، وهي كلمة ( سلام عليكم ) ، وقيل : أبلغهم السلام من الله تعالى تكرمة لهم لمضادة طلب المشركين طردهم .
وقد أكرمهم الله كرامتين الأولى أن يبدأهم النبي صلى الله عليه وسلم بالسلام حين دخولهم عليه وهي مزية لهم ، لأن شأن السلام أن يبتدئه الداخل ، ثم يحتمل أن هذا حكم مستمر معهم كلما أدخلوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم ويحتمل أنه للمرة التي يبلغهم فيها هذه البشارة ، فنزل هو منزلة القادم عليهم لأنه زف إليهم هذه البشرى .
والكرامة الثانية هي بشارتهم برضى الله عنهم بأن غفر لهم ما يعملون من سوء إذا تابوا من بعده وأصلحوا . وهذا الخبر وإن كان يعم المسلمين كلهم فلعله لم يكن معلوما ، فكانت البشارة به في وجوه المؤمنين يومئذ تكرمة لهم ليكونوا ميموني النقيبة على بقية إخوانهم والذين يجيئون من بعدهم .
والسلام : الأمان ، كلمة قالتها العرب عند لقاء المرء بغيره دلالة على أنه مسالم لا محارب لأن العرب كانت بينهم دماء وترات وكانوا يثأرون لأنفسهم ولو بغير المعتدي من قبيلته ، فكان الرجل إذا لقي من لا يعرفه لا يأمن أن يكون بينه وبين قبيلته إحن وحفائظ فيؤمن أحدهما الآخر بقوله : السلام عليكم ، أو سلام ، أو نحو ذلك . وقد حكاها الله تعالى عن إبراهيم عليه السلام ثم شاع هذا اللفظ فصار مستعملا في التكرمة . ومصدر سلم التسليم . والسلام اسم مصدر ، وهو يأتي في الاستعمال منكرا مرفوعا ومنصوبا ؛ ومعرفا باللام مرفوعا لا غير . فأما تنكيره مع الرفع كما في هذه الآية ، فهو على اعتباره اسما بمعنى الأمان ، وساغ الابتداء به لأن المقصود النوعية لا فرد معين . وإنما لم يقدم الخبر لاهتمام القادم بإدخال الطمأنينة في نفس المقدوم عليه ، أنه طارق خير لا طارق شر . فهو من التقديم لضرب من التفاؤل . وأما تعريفه مع الرفع فلدخول لام تعريف الجنس عليه .