بإظهار فعل القول فيه ، خلافا لقوله : ﴿ ولا أعلم الغيب ﴾ لعله لدفع ثقل التقاء حرفين : ( لا ) وحرف ( إن ) الذي اقتضاه مقام التأكيد ، لأن إدعاء مثله من شأنه أن يؤكد ، أي لم أدع أني من الملائكة فتقولوا : ﴿ لولا أنزل عليه ملك ﴾ ( الأنعام : 8 ) ، فنفي كونه ملكا جواب عن مقترحهم أن ينزل عليهم ملك أو أن يكون معه ملك نذيرا . والمقصود نفي أن يكون الرسول من جنس الملائكة حتى يكون مقارنا لملك آخر مقارنة تلازم كشأن أفراد الجنس الواحد . وكانوا يتوهمون أن الرسالة تقتضي أن يكون الرسول من غير جنس البشر فلذلك قالوا : ﴿ ما لهذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في الأسواق ﴾ ( الفرقان : 7 ) . فالمعنى نفي ماهية الملكية عنه لأن لجنس الملك خصائص أخرى مغايرة لخصائص البشر . وهذا كما يقول القائل لمن يكلفه عنتا : إني لست من حديد .
ومن تلفيق الاستدلال أن يستدل الجبائي بهذه الآية على تأييد قول أصحابه المعتزلة بتفضيل الملائكة على الأنبياء مع بعد ذلك عن مهيع الآية . وقد تابعه الزمخشري ، وكذلك دأبه كثيرا ما يرغم معاني القرآن على مسايرة مذهبه فتنزو عصبيته وتنزوي عبقريته ، وهذه مسألة سنتكلم عليها في مظنتها .
وجملة ﴿ إن أتبع إلا ما يوحي إلي ﴾ مستأنفة استئنافا بيانيا لأنه لما نفي أن يقول هذه المقالات كان المقام مثيرا سؤال سائل يقول : فماذا تدعي بالرسالة وما هو حاصلها لأن الجهلة يتوهمون أن معنى النبوءة هو تلك الأشياء المتبرأ منها في قوله : ﴿ قل لا أقول لكم عندي خزائن ﴾ الخ ، فيجاب بقوله : ﴿ إن أتبع إلا ما يوحي إلي ﴾ ، أي ليست الرسالة إلا التبليغ عن الله تعالى بواسطة الوحي .
فمعنى ﴿ أتبع ﴾ مجاز مرسل في الاقتصار على الشيء وملازمته دون غيره . لأن ذلك من لوازم معنى الاتباع الحقيقي وهو المشي خلف المتبع بفتح الموحدة ، أي لا أحيد عن تبليغ ما يوحى إلي إلى إجابة المقترحات من إظهار الخوارق أو لإضافة الأرزاق أو إخبار بالغيب ، فالتلقي والتبليغ هو معنى الاتباع ، وهو كنه الرسالة عن الله تعالى . فالقصر المستفاد هنا إضافي ، أي دون الاشتغال بإظهار ما تقترحونه من الخوارق للعادة . والغرض من القصر قلب اعتقادهم أن الرسول لا يكون رسولا حتى يأتيهم بالعجائب