نفوسهم ، فابتلاهم الله بالضر والخير ليستقصي لهم سببي التذكر والخوف ، لأن من النفوس نفوسا تقودها الشدة ونفوسا يقودها اللين .
ومعنى الأخذ هنا الإهلاك . ولذلك لم يذكر له متعلق كما ذكر في قوله آنفا ﴿ فأخذناهم بالبأساء والضراء ﴾ للدلالة على أنه أخذ لا هوادة فيه .
والبغتة فعلة من البغت وهو الفجأة ، أي حصول الشيء على غير ترقب عند من حصل له وهي تستلزم الخفاء . فلذلك قوبلت بالجهرة في الآية الآتية . وهنا يصح أن يكون مؤولا باسم الفاعل منصوبا على الحال من الضمير المرفوع ، أي مباغتين لهم ، أو مؤولا باسم المفعول على أنه حال من الضمير المنصوب ، أي مبغوتين ، ﴿ وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى وهي ظالمة ﴾ ( هود : 102 ) .
وقوله : ﴿ فإذا هم مبلسون ﴾ ( إذا ) فجائية . وهي ظرف مكان عند سيبويه ، وحرف عند نحاة الكوفة .
والمبلسون اليائسون من الخير المتحيرون ، وهو من الإبلاس ، وهو الوجوم والسكوت عند طلب العفو يأسا من الاستجابة .
وجملة ﴿ فقطع دابر القوم ﴾ معطوفة على جملة ﴿ أخذناهم ﴾ ، أي فأخذناهم أخذ الاستئصال . فلم يبق فيهم أحدا .
والدابر اسم فاعل من دبره من باب كتب ، إذا مشى من ورائه . والمصدر الدبور بضم الدال ، ودابر الناس آخرهم ، وذلك مشتق من الدبر ، وهو الوراء ، قال تعالى : ﴿ واتبع أدبارهم ﴾ ( الحجر : 65 ) . وقطع الدابر كناية عن ذهاب الجميع لأن المستأصل يبدأ بما يليه ويذهب يستأصل إلى أن يبلغ آخره وهو دابره ، وهذا مما جرى مجرى المثل ، وقد تكرر في القرآن ، كقوله : ﴿ أن دابر هؤلاء مقطوع مصبحين ﴾ ( الحجر : 66 ) .
والمراد بالذين ظلموا المشركون ، فإن الشرك أعظم الظلم ، لأنه اعتداء على حق الله تعالى على عباده في أن يعترفوا له بالربوبية وحده ، وأن الشرك يستتبع مظالم عدة لأن أصحاب الشرك لا يؤمنون بشرع يزع الناس عن الظلم .