تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

العذاب الأدنى دون العذاب الأكبر لعلهم يرجعون } ( السجدة : 21 ) وهذا من فرط رحمته الممازجة لمقتضى حكمته ؛ وفيه إنذار لقريش بأنهم سيصيبهم البأساء والضراء قبل الاستئصال ، وهو استئصال السيف . وإنما اختار الله أن يكون استئصالهم بالسيف إظهارا لكون نصر الرسول عليه الصلاة والسلام عليهم كان بيده ويد المصدقين به . وذلك أوقع على العرب ، ولذلك روعي حال المقصودين بالإنذار وهم حاضرون . فنزل جميع الأمم منزلتهم ، فقال : ﴿ فلولا إذ جاءهم بأسنا تضرعوا ﴾ ، فإن ( لولا ) هنا حرف توبيخ لدخولها على جملة فعلية ماضوية واحدة ، فليست ( لولا ) حرف امتناع لوجود .

والتوبيخ إنما يليق بالحاضرين دون المنقرضين لفوات المقصود . ففي هذا التنزيل إيماء إلى مساواة الحالين وتوبيخ للحاضرين بالمهم من العبرة لبقاء زمن التدارك قطعا لمعذرهم .

ويجوز أن تجعل ( لولا ) هنا للتمني على طريقة المجاز المرسل ، ويكون التمني كناية عن الإخبار بمحبة الله الأمر المتمنى فيكون من بناء المجاز على المجاز ، فتكون هذه المحبة هي ما عبر عنه بالفرح في الحديث ( الله أفرح بتوبة عبده ) الحديث . وتقديم الظرف المضاف مع جملته على عامله في قوله ﴿ إذ جاءهم بأسنا تضرعوا ﴾ للاهتمام بمضمون جملته ، وأنه زمن يحق أن يكون باعثا على الإسراع بالتضرع مما حصل فيه من البأس .

والبأس تقدم عند قوله تعالى : { وحين البأس في سورة البقرة ( 177 ) . والمراد به هنا الشدة على العدو وغلبته . ومجيء البأس : مجيء أثره ، فإن ما أصابهم من البأساء والضراء أثر من آثار قوة قدرة الله تعالى وغلبه عليهم . والمجيء مستعار للحدوث والحصول بعد أن لم يكن تشبيها لحدوث الشيء بوصول القادم من مكان آخر بتنقل الخطوات .

ولما دل التوبيخ أو التمني على انتفاء وقوع الشيء عطف عليه ب ( لكن ) عطفا على معنى الكلام ، لأن التضرع ينشأ عن لين القلب فكان نفيه المفاد بحرف التوبيخ ناشئا عن ضد اللين وهو القساوة ، فعطف بلكن } .

تفسير التحرير والتنوير · الجزء ٧ · الصفحة ٢٢٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تفسير التحرير والتنويرج ٧ · ص ٢٢٨