تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

لا يؤمنون إذ كانوا على تلك الصفة ، على أن خطاب التكليف عام لا تعيين فيه لأناس ولا استثناء فيه لأناس . فالجعل بمعنى الخلق وليس للتحويل من حال إلى حال . وقد مات المسمون كلهم على الشرك عدا أبا سفيان فإنه شهد حينئذ بأن ما سمعه حق ، فدلت شهادته على سلامة قلبه من الكنان .

والضمير المنصوب في ﴿ أن يفقهوه ﴾ عائد إلى القرآن المفهوم من قوله ﴿ يستمع إليك ﴾ . وحذف حرف الجر . والتقدير : من أن يفقهوه ، ويتعلق ب ﴿ أكنة ﴾ لما فيه من معنى المنع ، أي أكنة تمنع من أن يفهموا القرآن .

والوقر بفتح الواو الصمم الشديد وفعله كوعد ووجد يستعمل قاصرا ، يقال : وقرت أذنه ، ومتعديا يقال : وقر الله أذنه فوقرت . والوقر مصدر غير قياسي ل ( وقرت ) أذنه ، لأن قياس مصدره تحريك القاف ، وهو قياسي ل ( وقر ) المتعدي ، وهو مستعار لعدم فهم المسموعات . جعل عدم الفهم بمنزلة الصمم ولم يذكر للوقر متعلق يدل على الممنوع بوقر آذانهم لظهور أنه من أن يسمعوه ، لأن الوقر مؤذن بذلك ، ولأن المراد السمع المجازي وهو العلم بما تضمنه المسموع .

وقوله : ﴿ على قلوبهم ﴾ ، وقوله : ﴿ في آذانهم ﴾ يتعلقان ب ﴿ جعلنا ﴾ . وقدم كل منهما على مفعول ﴿ جعلنا ﴾ للتنبيه على تعلقه به من أول الأمر .

فإن قلت : هل تكون هاته الآية حجة للذين قالوا من علمائنا : إن إعجاز القرآن بالصرفة ، أي أعجز الله المشركين عن معارضته بأن صرفهم عن محاولة المعارضة لتقوم الحجة عليهم ، فتكون الصرفة من جملة الأكنة التي جعل الله على قلوبهم .

قلت : لم يحتج بهذه الآية أصحاب تلك المقالة لأنك قد علمت أن الأكنة تخييل وأن الوقر استعارة وأن قول النضر ( ما أدري ما أقول ) ، بهتان ومكابرة ، ولذلك قال الله تعالى : ﴿ وإن يروا كل آية لا يؤمنوا بها ﴾ .

وكلمة ﴿ كل ﴾ هنا مستعملة في الكثرة مجازا لتعذر الحقيقة سواء كان التعذر عقلا كما في هذه الآية ، وقوله تعالى : ﴿ فلا تميلوا كل الميل ﴾ ( النساء : 129 ) ، وذلك أن الآيات تنحصر أفرادها

تفسير التحرير والتنوير · الجزء ٧ · الصفحة ١٨٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تفسير التحرير والتنويرج ٧ · ص ١٨٠