فاعله مؤنث تقديرا ، لأن القول المنسبك من ( أن ) وصلتها من جملة الفتنة على أحد التأويلين . قال أبو علي الفارسي : وذلك نظير التأنيث في اسم العدد في قوله تعالى : ﴿ من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها ﴾ ( الأنعام : 160 ) ، لأن الأمثال لما كانت في معنى الحسنات أنث اسم عددها .
وقرأ الجمهور ﴿ ربنا ﴾ بالجر على الصفة لاسم الجلالة . وقرأه حمزة ، والكسائي ، وخلف بالنصب على النداء بحذف حرفه .
وذكرهم الرب بالإضافة إلى ضميرهم مبالغة في التنصل من الشرك ، أي لا رب لنا غيره . وقد كذبوا وحلفوا على الكذب جريا على سننهم الذي كانوا عليه في الحياة ، لأن المرء يحشر على ما عاش عليه ، ولأن الحيرة والدهش الذي أصابهم خيل إليهم أنهم يموهون على الله تعالى فيتخلصون من العقاب . ولا مانع من صدور الكذب مع ظهور الحقيقة يومئذ ، لأن الحقائق تظهر لهم وهم يحسبون أن غيرهم لا تظهر له ، ولأن هذا إخبار منهم عن أمر غائب عن ذلك اليوم فإنهم أخبروا عن أمورهم في الدنيا .
وفي ( صحيح البخاري ) : أن رجلا قال لابن عباس : إني أجد في القرآن أشياء تختلف علي ، فذكر منها قوله : ﴿ ولا يكتمون الله حديثا ﴾ ( النساء : 42 ) وقوله : ﴿ والله ربنا ما كنا مشركين ﴾ . فقد كتموا في هذه الآية . فقال ابن عباس : إن الله يغفر لأهل الإخلاص ذنوبهم ، فيقول المشركون تعالوا نقل : ما كنا مشركين ، فيختم على أفواههم فتنطق أيديهم ، فعند ذلك عرفوا أن الله لا يكتم حديثا .
وقوله : ﴿ انظر كيف كذبوا على أنفسهم ﴾ جعل حالهم المتحدث عنه بمنزلة المشاهد ، لصدوره عمن لا خلاف في أخباره ، فلذلك أمر سامعه أو أمر الرسول صلى الله عليه وسلم بما يدل على النظر إليه كأنه مشاهد حاضر .
والأظهر أن ﴿ كيف ﴾ لمجرد الحال غير دال على الاستفهام . والنظر إلى الحالة هو النظر إلى أصحابها حين تكيفهم بها . وقد تقدمت له نظائر منها قوله تعالى : { انظر كيف يفترون على الله الكذب في سورة النساء ( 50 ) . وجعل كثير من المفسرين النظر هنا نظرا