وصفهم الله بقوله : ﴿ يدخلون في دين الله أفواجا ﴾ ( النصر : 2 ) . وكان قصر الزمان واتساع المكان حائلين دون رسوخ شرائع الإسلام فيما بينهم ، فكانوا في حاجة إلى الانتهاء عن أمور كثيرة فاشية فيهم في مدة نزول هذه السورة ، وهي أيام حجة الوداع وما تقدمها وما تأخر عنها .
وجملة ﴿ ولا تعتدوا ﴾ معترضة ، لمناسبة أن تحريم الطيبات اعتداء على ما شرع الله ، فالواو اعتراضية . وبما في هذا النهي من العموم كانت الجملة تذييلا .
والاعتداء افتعال العدو ، أي الظلم . وذكره في مقابلة تحريم الطيبات يدل على أن المراد النهي عن تجاوز حد الإذنن المشروع ، كما قال ﴿ تلك حدود الله فلا تعتدوها ﴾ ( البقرة : 229 ) . فلما نهى عن تحريم الحلال أردفه بالنهي عن استحلال المحرمات وذلك بالاعتداء على حقوق الناس ، وهو أشد الاعتداء ، أو على حقوق الله تعالى في أمره ونهيه دون حق الناس ، كتناول الخنزير أو الميتة . ويعم الاعتداء في سياق النهي جميع جنسه مما كانت عليه الجاهلية من العدوان ، وأعظمه الاعتداء على الضعفاء كالوأد ، وأكلل مال اليتيم ، وعضل الأيامى ، وغير ذلك .
وجملة ﴿ إن الله لا يحب المعتدين ﴾ تذييل للتي قبلها للتحذير من كل اعتداء .
وقوله : ﴿ وكلوا مما رزقكم الله حلالا طيبا ﴾ تأكيد للنهي عن تحريم الطيبات وهو معطوف على قوله : ﴿ لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم ﴾ أي أن الله وسع عليكم بالحلال فلا تعتدوه إلى الحرام فتكفروا النعمة ولا تتركوه بالتحريم فتعرضوا عن النعمة .
واقتصر على الأكل لأن معظم ما حرمه الناس على أنفسهم هو المآكل . وكأن الله يعرض بهم بأن الاعتناء بالمهمات خير من التهمم بالأكل ، كما قال ﴿ ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا ﴾ ( المائدة : 93 ) الآية . وبذلك أبطل