والشهادة تقدم بيانها عند قوله تعالى : { شهادة بينكم في سورة المائدة ( 106 ) .
ولما كانت شهادة الله على صدق الرسول غير معلومة للمخاطبين المكذبين بأنه رسول الله ، صارت شهادة الله عليهم في معنى القسم على نحو قوله تعالى : ويدرأ عنها العذاب أن تشهد أربع شهادات بالله إنه لمن الكاذبين } ( النور : 8 ) أي أن تشهد الله على كذب الزوج ، أي أن تحلف على ذلك بسم الله ، فإن لفظ ( أشهد الله ) من صيغ القسم إلا أنه إن لم يكن معه معنى الإشهاد يكون مجازا مرسلا ، وإن كان معه معنى الإشهاد كما هنا فهو كناية عن القسم مراد منه معنى إشهاد الله عليهم ، وبذلك يظهر موقع قوله : ﴿ الله شهيد بيني وبينكم ﴾ ، أي أشهده عليكم . وقريب منه ما حكاه الله عن هود ﴿ قال إني أشهد الله ﴾ ( هود : 54 ) .
وقوله : ﴿ قل الله شهيد بيني وبينكم ﴾ جواب للسؤال ، ولذلك فصلت جملته المصدرة ب ﴿ قل ﴾ . وهذا جواب أمر به المأمور بالسؤال على معنى أن يسأل ثم يبادر هو بالجواب لكون المراد بالسؤال التقرير وكون الجواب مما لا يسع المقرر إنكاره ، على نحو ما بيناه في قوله : ﴿ قل لمن ما في السماوات والأرض قل لله ﴾ ( الأنعام : 12 ) .
ووقع قوله : ﴿ الله شهيد بيني وبينكم ﴾ جوابا على لسانهم لأنه مرتب على السؤال وهو المقصود منه فالتقدير : قل شهادة الله أكبر شهادة ، فالله شهيد بيني وبينكم ، فحذف المرتب عليه لدلالة المرتب إيجازا كما هو مقتضى جزالة أسلوب الإلجاء والجدل . والمعنى : أني أشهد الله الذي شهادته أعظم شهادة أنني أبلغتكم أنه لا يرضى بأن تشركوا به وأنذرتكم .
وفي هذه الآية ما يقتضي صحة إطلاق اسم ( شيء ) على الله تعالى لأن قوله : ﴿ الله شهيد ﴾ وقع جوابا عن قوله : ﴿ أي شيء ﴾ فاقتضى إطلاق اسم ( شيء ) خبرا عن الله تعالى وإن لم يدل صريحا . وعليه فلو أطلقه المؤمن على الله تعالى لما كان في إطلاقه تجاوز للأدب ولا إثم . وهذا قول الأشعرية خلافا لجهم بن صفوان وأصحابه .
ومعنى : ﴿ شهيد بيني وبينكم ﴾ أنه لما لم تنفعهم الآيات والنذر فيرجعوا عن التكذيب والمكابرة لم يبق إلا أن يكلهم إلى حساب الله تعالى . والمقصود : إنذارهم بعذاب الله في