تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الشر ، فلما أبطلت الآيات السابقة استحقاق الأصنام الإلهية لأنها لم تخلق شيئا ، وأوجبت عبادة المستحق الإلهية بحق ، أبطلت هذه الآية استحقاقهم العبادة لأنهم لا يملكون للناس ضرا ولا نفعا ، كما قال تعالى : ﴿ قل أتعبدون من دون الله ما لا يملك لكم ضرا ولا نفعا ﴾ ( المائدة : 76 ) وقال عن إبراهيم عليه السلام : ﴿ قال هل يسمعونكم إذ تدعون أو ينفعونكم أو يضرون ﴾ ( الشعراء : 73 ) .

وقد هيأت الجمل السابقة موقعا لهاته الجملة ، لأنه إذا تقرر أن خالق الموجودات هو الله وحده لزم من ذلك أنه مقدر أحوالهم وأعمالهم ، لأن كون ذلك في دائرة قدرته أولى وأحق بعد كون معروضات تلك العوارض مخلوقة له . فالمعروضات العارضة للموجودات حاصلة بتقدير الله لأنه تعالى مقدر أسبابها ، واضع نظام حصولها وتحصيلها ، وخالق وسائل الدواعي النفسانية إليها أو الصوارف عنها .

والمس حقيقته وضع اليد على شيء . وقد يكون مباشرة وقد يكون بآلة ، ويستعمل مجازا في إيصال شيء إلى شيء فيستعار إلى معنى الإيصال فيكثر أن يذكر معه ما هو مستعار للآلة . ويدخل عليه حرف الآلة وهو الباء كما هنا ، فتكون فيه استعارتان تبعيتان إحداهما في الفعل والأخرى في معنى الحرف ، كما في قوله : ﴿ ولا تمسوها بسوء ﴾ ( الأعراف : 73 ) . فالمعنى : وإن يصبك الله بضر ، أو وإن ينلك من الله ضر .

والضر بضم الضاد هو الحال الذي يؤلم الإنسان ، وهو من الشر ، وهو المنافر للإنسان . ويقابله النفع ، وهو من الخير ، وهو الملائم . والمعنى إن قدر الله لك الضر فهلا يستطيع أحد كشفه عنك إلا هو إن شاء ذلك ، لأن مقدراته مربوطة ومحوطة بنواميس ونظم لا تصل إلى تحويلها إلا قدرة خالقها .

وقابل قوله : ﴿ وإن يمسسك الله بضر ﴾ بقوله : ﴿ وإن يمسسك بخير ﴾ مقابلة بالأعم ، لأن الخير يشمل النفع وهو الملائم ويشمل السلامة من المنافر ، للإشارة إلى أن المراد من الضر ما هو أعم ، فكأنه قيل : إن يمسسك بضر وشر وإن يمسسك بنفع وخير ، ففي الآية احتباك . وقال ابن عطية : ناب الضر في هذه الآية مناب الشر والشر أعم وهو مقابل الخير . وهو من الفصاحة عدول عن قانون التكلف والصنعة ، فإن من باب التكلف

تفسير التحرير والتنوير · الجزء ٧ · الصفحة ١٦٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تفسير التحرير والتنويرج ٧ · ص ١٦٣