تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ثم يطلق على التثبيت والتقوية والاستقلال بالأمر . ويقال : هو مكين بمعنى ممكن ، فعيل بمعنى مفعول . قال تعالى : ﴿ إنك اليوم لدينا مكين أمين ﴾ فهو كناية أيضا بمرتبة ثانية ، أو هو مجاز مرسل مرتب على المعنى الكنائي . والتمكين في الأرض تقوية التصرف في منافع الأرض والاستظهار بأساباب الدنيا ، بأن يكون في منعة من العدو وفي سعة في الرزق وفي حسن حال ، قال تعالى : ﴿ إما مكنا له في الأرضأ ، وقال : الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة ﴾ الآية . فمعنى مكنه : جعله متمكنا ومعنى مكن له : جعله متمكنا لأجله ، أي رعيا له ، مثل حمده وحمد له ، فلم تزده اللام ومجروورها إلا إشارة إلى أن الفاعل فعل ذلك رغبة في نفع المفعول ، ولكن الاستعمال أزال الفرق بينهما وصير مكنه ومكن له بمعنى واحد ، فكانت اللام زائدة كما قال أبو علي الفارسي . ودليل ذلك قوله تعالى : هنا ﴿ مكناهم في الأرض ما لم نمكن لكم ﴾ فإن المراد بالفعلين هنا شيء واحد لتعين أن يكون معنى الفعلين مستويا ، ليظهر وجه فوت القرون الماضية في التمكين على تمكين المخاطبين ، إذ التفاوت لا يظهر إلا في شيء واحد ، ولأن كون القرون الماضية أقوى تمكنا من المخاطبين كان يقتضي أن يكون الفعل المقترن بلام الأجل في جانبهم لا في جانب المخاطبين ، وقد عكس هنا . وبهذا البيان نجمع بين قول الراغب باستواء فعل مكنه ومكن له ، وقول الزمخشري بأن : مكن له بمعنى جعل له مكانا ، ومكنه بمعنى أثبته . وكلام الراغب أمكن عربية . وقد أهملت التنبيه على هذين الرأيين كتب اللغة . واستعمال التمكين في معنى التثبيت والتقوية كناية أو مجاز مرسل لأنه يستلزم التقوية . وقد شاع هذا الاستعمال حتى صار كالصريح أو كالحقيقة .

و ﴿ ما ﴾ موصولة معناها التمكين ، فهي نائبة عن مصدر محذوف ، أي تمكينا لم نمكنه لكم ، فتنتصب ( ما ) على المفعولية المطلقة المبينة للنوع . والمقصود مكناهم تمكينا لم نمكنه لكم ، أي هو أشد من تمكينكم في الأرض .

والخطاب في قوله : ﴿ لكم ﴾ التفات موجه إلى الذين كفروا لأنهم الممكنون في الأرض وقت نزول الآية ، وليس للمسلمين يومئذ تمكين . والالتفات هنا عكس الالتفات في قوله تعالى : ﴿ حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم ﴾ . والمعنى أن الأمم الخالية من

تفسير التحرير والتنوير · الجزء ٧ · الصفحة ١٣٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تفسير التحرير والتنويرج ٧ · ص ١٣٨