تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

قول المشركين ﴿ ما يهلكنا إلا الدهر ﴾ ( الجاثية : 24 ) .

وقد خولفت كثرة الاستعمال في تقديم الخبر الظرف على كل مبتدأ نكرة موصوفة ، نحو قوله تعالى : ﴿ ولي نعجة واحدة ﴾ ( ص : 23 ) ، حتى قال صاحب ( الكشاف ) : إنه الكلام السائر ، فلم يقدم الظرف في هذه الآية لإظهار الاهتمام بالمسند إليه حيث خولف الاستعمال الغالب من تأخيره فصار بهذا التقديم تنكيره مفيدا لمعنى التعظيم ، أي وأجل عظيم مسمى عنده .

ومعنى : ﴿ مسمى ﴾ معين ، لأن أصل السمة العلامة التي يتعين بها المعلم . والتعيين هنا تعيين الحد والوقت .

والعندية في قوله : ﴿ عنده ﴾ عندية العلم ، أي معلوم له دون غيره . فالمراد بقوله : ﴿ وأجل مسمى ﴾ أجل بعث الناس إلى الحشر ، فإن إعادة النكرة بعد نكرة يفيد أن الثانية غير الأولى ، فصار : المعنى ثم قضى لكم أجلين : أجلا تعرفون مدته بموت صاحبه ، وأجلا معين المدة في علم الله .

فالمراد بالأجل الأول عمر كل إنسان ، فإنه يعلمه الناس عند موت صاحبه ، فيقولون : عاش كذا وكذا سنة ، وهو وإن كان علمه لا يتحقق إلا عند انتهائه فما هو إلا علم حاصل لكثير من الناس بالمقايسة . والأجل المعلوم وإن كان قد انتهى فإنه في الأصل أجل ممتد .

والمراد بالأجل الثاني ما بين موت كل أحد وبين يوم البعث الذي يبعث فيه جميع الناس ، فإنه لا يعلمه في الدنيا أحد ولا يعلمونه يوم القيامة ، قال تعالى : ﴿ ويوم يحشرهم كأن لم يلبثوا إلا ساعة من النهار يتعارفون بينهم ﴾ ( يونس : 45 ) ، وقال : ﴿ ويوم تقوم الساعة يقسم المجرمون ما لبثوا غير ساعة ﴾ ( الروم : 55 ) .

وقوله : ﴿ ثم أنتم تمترون ﴾ عطفت على جملة : ﴿ هو الذي خلقكم من طين ﴾ ، فحرف ﴿ ثم ﴾ للتراخي الرتبي كغالب وقوعها في عطف الجمل لانتقال من خبر إلى أعجب منه ، كما تقدم في قوله تعالى : ﴿ ثم الذين كفروا بربهم يعدلون ﴾ ( الأنعام : 1 ) ، أي فالتعجيب حقيق ممن يمترون في أمر البعث مع علمهم بالخلق الأول وبالموت . والمخاطب بقوله : ﴿ أنتم تمترون ﴾ هم المشركون . وجيء بالمسند إليه ضميرا بارزا للتوبيخ .

تفسير التحرير والتنوير · الجزء ٧ · الصفحة ١٣١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تفسير التحرير والتنويرج ٧ · ص ١٣١