فالمعنى هنا أن الحمد كله لا يستحقه إلا الله ، وهذا قصر إضافي للرد على المشركين الذين حمدوا الأصنام على ما تخيلوه من إسدائها إليهم نعما ونصرا وتفريج كربات ، فقد قال أبو سفيان حين انتصر هو وفريقه يوم أحد : أعل هبل لنا العزى ولا عزى لكم . ويجوز أن يكون قصرا حقيقيا على معنى الكمال وأن حمد غيره تعالى من المنعمين تسامح لأنه في الحقيقة واسطة صورية لجريان نعمة الله على يديه ، والمقصود هو هو ، وهو الرد على المشركين ، لأن الأصنام لا تستحق الحمد الصوري بله الحقيقي كما قال إبراهيم عليه السلام ( لم نعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنك شيئا ) . ولذلك عقبت جملة الحمد على عظيم خلق الله تعالى بجملة ﴿ ثم الذين كفروا بربهم يعدلون ﴾ .
والموصول ، في محل الصفة لاسم الجلالة ، أفاد مع صلته التذكير بعظيم صفة الخلق الذي عم السماوات والأرض وما فيهن من الجواهر والأعراض . وذلك أوجز لفظ في استحضار عظمة قدرة الله تعالى . وليس في التعريف بالموصولية هنا إيذان بتعليل الجملة التي ذكرت قبله ، إذ ليست الجملة إنشائية كما علمت . والجملة الخبرية لا تعلل ، لأن الخبر حكاية ما في الواقع فلا حاجة لتعليله . فالمقصود من الأوصاف التمهيد لقوله بعد ﴿ ثم الذين كفروا بربهم يعدلون ﴾ .
وجمع : ﴿ السماوات ﴾ لأنها عوالم كثيرة ، إذ كل كوكب منها عالم مستقل عن غيره ، ومنها الكواكب السبعة المشهورة المعبر عنها في القرآن بالسماوات السبع فيما نرى . وأفرد الأرض لأنها عالم واحد ، ولذلك لم يجيء لفظ الأرض في القرآن جمعا .
وقوله : ﴿ وجعل الظلمات والنور ﴾ أشار في ( الكشاف ) أن ( جعل ) إذا تعدى إلى مفعول واحد فهو بمعنى أحدث وأنشأ فيقارب مرادفة معنى ( خلق ) . والفرق بينه وبين ( خلق ) ؛ فإن في الخلق ملاحظة معنى التقدير ، وفي الجعل ملاحظة معنى الانتساب ، يعني كون المجعول مخلوقا لأجل غيره أو منتسبا إلى غيره ، فيعرف المنتسب إليه بمعونة المقام . فالظلمات والنور لما كانا عرضين كان خلقهما تكوينا لتكيف موجودات السماوات والأرض بهما . ويعرف ذلك بذكر ﴿ الظلمات والنور ﴾ عقب ذكر ﴿ السماوات والأرض ﴾ ، وباختيار لفظ الخلق للسماوات والأرض ، ولفظ الجعل للظلمات