تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فيما قلت حد التبليغ لما أمرتني به ، فالموصول وصلته هومقول ﴿ ما قلت لهم ﴾ وهو مفرد دال على جمل ، فلذلك صح وقوعه منصوبا بفعل القول .

و ﴿ أن ﴾ مفسرة ﴿ أمرتني ﴾ لأن الأمر فيه معنى القول دون حروفه وجملة ﴿ اعبدوا الله ربي وربكم ﴾ تفسيرية ل ﴿ أمرتني ﴾ . واختير ﴿ أمرتني ﴾ على ( قلت لي ) مبالغة في الأدب . ولما كان ﴿ أمرتني ﴾ متضمنا معنى القول كانت جملة ﴿ اعبدوا الله ربي وربكم ﴾ هي المأمور بأن يبلغه لهم فالله قال له : قل لهم اعبدوا الله ربي وربكم . فعلى هذا يكون ﴿ ربي وربكم ﴾ من مقول الله تعالى لأنه أمره بأن يقول هذه العبارة ولكن لما عبر عن ذلك بفعل ﴿ أمرتني به ﴾ صح تفسيره بحرف ﴿ أن ﴾ التفسيرية فالذي قاله عيسى هو عين اللفظ الذي أمره الله بأن يقوله . فلا حاجة إلى ما تكلف به في ( الكشاف ) على أن صاحب ( الانتصاف ) جوز وجها آخر وهو أن يكون التفسير جرى على حكاية القول المأمور به بالمعنى ، فيكون الله تعالى قال له : قل لهم أن يعبدوا ربك وربهم . فلما حكاه عيسى قال : اعبدوا الله ربي وربكم اه . وهذا التوجيه هو الشائع بين أهل العلم حتى جعلوا الآية مثالا لحكاية القول بالمعنى .

وأقول : هو استعمال فصيح قال ابن عطية في تفسير قوله تعالى : { مكناهم في الأرض ما لم نمكن لكم في سورة الأنعام ( 6 ) إذا أخبرت أنك قلت لغائب أو قيل له أو أمرت أن يقال له : فلك في فصيح كلام العرب أن تحكي الألفاظ المقولة بعينها ، فتجيء بلفظ المخاطبة ، ولك أن تأتي بالمعنى في الألفاظ بذكر غائب دون مخاطبة اه . وعندي أنه ضعيف في هذه الآية .

ثم تبرأ من تبعتهم فقال وكنت عليهم شهيدا ما دمت فيهم } أي كنت مشاهدا لهم ورقيبا يمنعهم من أن يقولوا مثل هذه المقالة الشنعاء .

و ﴿ ما دمت ﴾ ( ما ) فيه ظرفية مصدرية ، و ( دام ) تامة لا تطلب منصوبا ، و ﴿ فيهم ﴾ متعلق ب ﴿ دمت ﴾ ، أي بينهم ، وليس خبرا ل ( دام ) على الأظهر ، لأن ( دام ) التي تطلب خبرا هي التي يراد منها الاستمرار على فعل معين هو مضمون خبرها ، أما هي هنا فهي بمعنى البقاء ، أي ما بقيت فيهم ، أي ما بقيت في الدنيا .

تفسير التحرير والتنوير · الجزء ٧ · الصفحة ١١٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تفسير التحرير والتنويرج ٧ · ص ١١٦