عاد إلى الهيئة . واختار ابن عطية أن يكون الضمير هنا عائدا إلى ما تقتضيه الآية ضرورة . أي بدلالة الاقتضاء . وذلك أن قوله : وإذ تخلق من الطين كهيئة الطير } يقتضي صورا أو أجساما أو أشكالا ، وكذلك الضمير المذكر في سورة آل عمران ( 49 ) يعود على المخلوق الذي يقتضيه ﴿ أخلق . وجعله في الكشاف ﴾ عائدا إلى الكاف باعتبار كونها صفة للفظ هيئة المحذوف الدال عليه لفظ هيئة المدخول للكاف وكل ذلك ناظر إلى أن الهيئة لا تصلح لأن تكون متعلق ﴿ تنفخ ﴾ ، إذ الهيئة معنى لا ينفخ فيها ولا تكون طائرا .
وقرأ نافع وحده ﴿ فتكون طائرا ﴾ بالإفراد كما قرأ في سورة آل عمران . وتوجيهها هنا أن الضمير جرى على التأنيث فتعين أن يكون المراد وإذ تخلق ، أي تقدر هيئة كهيئة الطير فتكون الهيئة طائرا ، أي كل هيئة تقدرها تكون واحدا من الطير .
وقرأ البقية ( طيرا ) بصيغة اسم الجمع باعتبار تعدد ما يقدره من هيئات كهيئة الطير .
وقال هنا ﴿ وإذا تخرج الموتى ﴾ ولم يقل : ﴿ وأحي الموتى ، كما قال في سورة آل عمران ( 49 ) ، أي تخرجهم من قبورهم أحياء ، فأطلق الإخراج وأريد به لازمه وهو الإحياء ، لأن الميت وضع في القبر لأجل كونه ميتا فكان إخراجه من القبر ملزوما الانعكاس السبب الذي لأجله وضع في القبر . وقد سمى الله الإحياء خروجا في قوله : وأحيينا به بلدة ميتا كذلك الخروج ﴾ ( ق : 11 ) وقال : ﴿ إذا متم وكنتم ترابا وعظاما أنكم مخرجون ﴾ ( المؤمنون : 35 ) .
وقوله : ﴿ وإذ كففت بني إسرائيل عنك ﴾ عطف على ﴿ إذ أيدتك ﴾ وما عطف عليه . وهذا من أعظم النعم ، وهي نعمة العصمة من الإهانة ؛ فقد كف الله عنه بني إسرائيل سنين ، وهو يدعو إلى الدين بين ظهرانيهم مع حقدهم وقلة أنصاره ، فصرفهم الله عن ضره حتى أدى الرسالة ، ثم لما استفاقوا وأجمعوا أمرهم على قتله عصمه الله منهم فرفعه إليه ولم يظفروا به ، وماتت نفوسهم بغيظها . وقد دل على جميع هذه المدة الظرف في قوله : ﴿ إذ جئتم بالبينات ﴾ فإن تلك المدة كلها مدة ظهور معجزاته