وقد تفنن الاستثناء في قوله : ﴿ إلا ما يتلى عليكم ﴾ وقوله : ﴿ غير محلي الصيد ﴾ ، فجيء بالأول بأداة الاستثناء ، وبالثاني بالحالين الدالين على مغايرة الحالة المأذون فيها ، والمعنى : إلا الصيد في حالة كونكم محرمين ، أو في حالة الإحرام . وإنما تعرض لحكم الصيد للمحرم هنا لمناسبة كونه مستثنى من بهيمة الأنعام في حال خاص ، فذكر هنا لأنه تحريم عارض غير ذاتي ، ولولا ذلك لكان موضع ذكره مع الممنوعات المتعلقة بحكم الحرم والإحرام عند قوله تعالى : ﴿ يأيها الذين آمنوا لا تحلوا شعائر الله ﴾ ( المائدة : 2 ) الآية .
والصيد يجوز أن يكون هنا مصدرا على أصله ، وأن يكون مطلقا على اسم المفعول : كالخلق على المخلوق ، وهو إطلاق شائع أشهر من إطلاقه على معناه الأصلي ، وهو الأنسب هنا لتكون مواقعه في القرآن على وتيرة واحدة ، فيكون التقدير : غير محلي إصابة لصيد . والصيد بمعنى المصدر : إمساك الحيوان الذي لا يألف ، باليد أو بوسيلة ممسكة ، أو جارحة : كالشباك ، والحبائل ، والرماح ، والسهام ، والكلاب ، والبزاة ؛ وبمعنى المفعول هو المصيد . وانتصب ﴿ غير ﴾ على الحال من الضمير المجرور في قوله : ﴿ لكم ﴾ . وجملة ﴿ وأنتم حرم ﴾ في موضع الحال من ضمير ( محلي ) ، وهذا نسج بديع في نظم الكلام استفيد منه إباحة وتحريم : فالإباحة في حال عدم الإحرام ، والتحريم له في حال الإحرام .
وجملة ﴿ إن الله يحكم ما يريد ﴾ تعليل لقوله : ﴿ أوفوا بالعقود ﴾ ، أي لا يصرفكم عن الإيفاء بالعقود أن يكون فيما شرعه الله لكم شيء من ثقل عليكم ، لأنكم عاقدتم على عدم العصيان ، وعلى السمع والطاعة لله ، والله يحكم ما يريد لا ما تريدون أنتم . والمعنى أن الله أعلم بصالحكم منكم .