تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

واستعير للزيادة على المطلوب من المعقول ، أو المشروع في المعتقدات ، والإدراكات ، والأفعال . والغلو في الدين أن يظهر المتدين ما يفوت الحد الذي حدد له الدين . ونهاهم عن الغلو لأنه أصل لكثير من ضلالهم وتكذيبهم للرسل الصادقين . وغلو أهل الكتاب تجاوزهم الحد الذي طلبه دينهم منهم : فاليهود طولبوا باتباع التوراة ومحبة رسولهم ، فتجاوزوه إلى بغضة الرسل كعيسى ومحمد عليهما السلام ، والنصارى طولبوا باتباع المسيح فتجاوزوا فيه الحد إلى دعوى إلهيته أو كونه ابن الله ، مع الكفر بمحمد صلى الله عليه وسلم

وقوله : ﴿ ولا تقولوا على الله إلا الحق ﴾ عطف خاص على عام للاهتمام بالنهي عن الافتراء الشنيع . وفعل القول إذا عدي بحرف ( على ) دل على أن نسبة القائل القول إلى المجرور ب ( على ) نسبة كاذبة ، قال تعالى : ﴿ ويقولون على الله الكذب ﴾ ( آل عمران : 78 ) . ومعنى القول على الله هنا : أن يقولوا شيئا يزعمون أنه من دينهم ، فإن الدين من شأنه أن يتلقى من عند الله .

وقوله : ﴿ إنما المسيح عيسى ابن مريم ﴾ جملة مبينة للحد الذي كان الغلو عنده ، فإنه مجمل ؛ ومبينة للمراد من قول الحق .

ولكونها تتنزل من التي قبلها منزلة البيان فصلت عنها . وقد أفادت الجملة قصر المسيح على صفات ثلاث : صفة الرسالة ، وصفة كونه كلمة الله ألقيت إلى مريم ، وصفة كونه روحا من عند الله . فالقصر قصر موصوف على صفة . والقصد من هذا القصر إبطال ما أحدثه غلوهم في هذه الصفات غلوا أخرجها عن كنهها ؛ فإن هذه الصفات ثابتة لعيسى ، وهم مثبتون لها فلا ينكر عليهم وصف عيسى بها ، لكنهم تجاوزوا الحد المحدود لها فجعلوا الرسالة البنوة ، وجعلوا الكلمة اتحاد حقيقة الإلهية بعيسى في بطن مريم فجعلوا

تفسير التحرير والتنوير · الجزء ٦ · الصفحة ٥١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تفسير التحرير والتنويرج ٦ · ص ٥١