تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ولم أر للأشاعرة جوابا مقنعا ، سوى أن إمام الحرمين في ( الإرشاد ) أجاب : بأن هذا مشترك الإلزام لأن وجوب التأمل في المعجزة نظري لا ضروري لا محالة ، فلمن دعاه الرسول أن يقول : لا أتأمل في المعجزة ما لم يجب ذلك علي عقلا ، ولا يجب علي عقلا ما لم أنظر ، لأنه وجوب نظري ، والنظري يحتاج إلى ترتيب مقدمات ، فأنا لا أرتبها . وتبعه على هذا الجواب جميع المتكلمين بعده من الأشاعرة مثل البيضاوي والعضد والتفتزاني . وقال ابن عرفة في ( الشامل ) : إنه اعتراف بلزوم الإفحام فلا يزيل الشبهة بل يعممها بيننا وبينهم ، فلم يحصل دفع الإشكال وكلام ابن عرفة رد متمكن . والظاهر أن مراد إمام الحرمين أن يسقط استدلال المعتزلة لأنفسهم على الوجوب العقلي بتمحض الاستدلال بالأدلة الشرعية وهو مطلوبنا .

وأنا أرى أن يكون الجواب بأحد طريقين :

أولهما : بالمنع ، وهو أن نمنع أن يكون وجوب سماع دعوة الرسول متوقفا على الإصغاء إليه ، والنظر في معجزته ، وأنه لو لم يثبت وجوب ذلك بالعقل يلزم إفحام الرسول ، بل ندعي أن ذلك أمر ثبت بالشرائع التي تعاقب ورودها بين البشر ، بحيث قد علم كل من له علاقة بالمدنية البشرية بأن دعاة أتوا إلى الناس في عصور مختلفة ، ودعوتهم واحدة : كل يقول إنه مبعوث من عند الله ليدعو الناس إلى ما يريده الله منهم ، فاستقر في نفوس البشر كلهم أن هنالك إيمانا وكفرا ، ونجاة وارتباقا ، استقرارا لا يجدون في نفوسهم سبيلا إلى دفعه ، فإذا دعا الرسول الناس إلى الإيمان حضرت في نفس المدعو السامعع تلك الأخبار الماضية والمحاورات ، فوجب عليه وجوبا اضطراريا استماعه والنظر في الأمر المقرر في نفوس البشر ، ولذلك آخذ الله أهل الفترة بالإشراك كما دلت عليه نصوص كثيرة من الكتاب والسنة . ولذلك فلو قدرنا أحدا لم يخالط جماعات البشر ، ولم يسبق له شعور بأن الناس آمنوا وكفروا وأثبتوا وعطلوا ، لما وجب عليه الإصغاء إلى الرسول لأن ذلك

تفسير التحرير والتنوير · الجزء ٦ · الصفحة ٤٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تفسير التحرير والتنويرج ٦ · ص ٤٢