تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

بينهم ، وسبب معاملتهم بنقيض قصدهم من الاختبار أو محاولة مصادفة الحكم لهواهم يقتضي الإعراض عنهم لئلا يعرض الحكم النبوي للاستخفاف . وكان ابتداء التخيير في لفظ الآية بالشق المقتضي أنه يحكم بينهم إشارة إلى أن الحكم بينهم أولى . ويؤيده قوله بعد ﴿ وإن حكمت فاحكم بينهم بالقسط إن الله يحب المقسطين ﴾ أي بالحق ، وهو حكم الإسلام بالحد . وأما قوله : ﴿ وإن تعرض عنهم فلن يضروك شيئا ﴾ فذلك تطمين للنبيء صلى الله عليه وسلم لئلا يقول في نفسه : كيف أعرض عنهم ، فيتخذوا ذلك حجة علينا . يقولون : ركنا إليكم ورضينا بحكمكم فأعرضتم عنا فلا نسمع دعوتكم من بعد . وهذا مما يهتم به النبيء صلى الله عليه وسلم لأنه يؤول إلى تنفير رؤسائهم دهماءهم من دعوة الإسلام فطمنه الله تعالى بأنه إن فعل ذلك لا تنشأ عنه مضرة . ولعل في هذا التطمين إشعارا بأنهم لا طمع في إيمانهم في كل حال . وليس المراد بالضر ضر العداوة أو الأذى لأن ذلك لا يهتم به النبيء صلى الله عليه وسلم ولا يخشاه منهم ، خلافا لما فسر به المفسرون هنا .

وتنكير ﴿ شيئا ﴾ للتحقير كما هو في أمثاله ، مثل ﴿ فلن تملك له من الله شيئا ﴾ وهو منصوب على المفعولية المطلقة لأنه في نية الإضافة إلى مصدر ، أي شيئا من الضر ، فهو نائب عن المصدر . وقد تقدم القول في موقع كلمة شيء عند قوله تعالى : { ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع في سورة البقرة ( 155 ) .

والآية تقتضي تخيير حكام المسلمين في الحكم بين أهل الكتاب إذا حكموهم ؛ لأن إباحة ذلك التخيير لغير الرسول من الحكام مساو إباحته للرسول . واختلف العلماء في هذه المسألة وفي مسألة حكم حكام المسلمين في خصومات غير المسلمين . وقد دل الاستقراء على أن الأصل في الحكم بين غير المسلمين إذا تنازع بعضهم مع بعض أن يحكم بينهم حكام ملتهم ، فإذا تحاكموا إلى حكام المسلمين فإن كان ما حدث من قبيل الظلم كالقتل والغصب وكل ما ينتشر منه فساد فلا

تفسير التحرير والتنوير · الجزء ٦ · الصفحة ٢٠٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تفسير التحرير والتنويرج ٦ · ص ٢٠٣