تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الرسول العرنيين كان عقابا على محاربة خاصة هي من صريح البغض للإسلام . ثم إن الله شرع حكما للمحاربة التي تقع في زمن رسول الله وبعده ، وسوى عقوبتها ، فتعين أن يصير تأويل ﴿ يحاربون الله ورسوله ﴾ المحاربة لجماعة المسلمين . وجعل لها جزاء عين جزاء الردة ، لأن الردة لها جزاء آخر فعلمنا أن الجزاء لأجل المحاربة . ومن أجل ذلك اعتبره العلماء جزاء لمن يأتي هذه الجريمة من المسلمين ، ولهذا لم يجعله الله جزاء للكفار الذين حاربوا الرسول لأجل عناد الدين ، فلهذا المعنى عدي ﴿ يحاربون ﴾ إلى ﴿ الله ورسوله ﴾ ليظهر أنهم لم يقصدوا حرب معين من الناس ولا حرب صف .

وعطف ﴿ ويسعون في الأرض فسادا ﴾ لبيان القصد من حربهم الله ورسوله ، فصار الجزتء على مجموع الأمرين ، فمجموع الأمرين سبب مركب للعقوبة ، وكل واحد من الأمرين جزء سبب لا يقتضي هذه العقوبة بخصوصها .

وقد اختلف العلماء في حقيقة الحرابة ؛ فقال مالك : هي حمل السلاح على الناس لأخذ أموالهم دون نائرة ولا دخل ولا عداوة أي بين المحارب بالكسر وبين المحارب بالفتح ، سواء في البادية أو في المصر ، وقال به الشافعي وأبو ثور . وقيل : لا يكون المحارب في المصر محاربا ، وهو قول أبي حنيفة وسفيان الثوري وإسحاق . والذي نظر إليه مالك هو عموم معنى لفظ الحرابة ، والذي نظر إليه مخالفوه هو الغالب في العرف لندرة الحرابة في المصر . وقد كانت نزلت بتونس قضية لص اسمه ( وناس ) أخاف أهل تونس بحيله في السرقة ، وكان يحمل السلاح فحكم عليه بحكم المحارب في مدة الأمير محمد الصادق باي وقتل شنقا بباب سويقة .

ومعنى ﴿ يسعون في الأرض فسادا ﴾ أنهم يكتسبون الفساد ويجتنونه ويجترحونه ، لأن السعي قد استعمل بمعنى الاكتساب واللم ، قال تعالى : ﴿ ومن أراد الآخرة وسعى لها سعيها ﴾ ( الإسراء : 19 ) . ويقولون : سعى فلان لأهله ، أي اكتسب لهم ، وقال تعالى : ﴿ لتجزي كل نفس بما تسعى ﴾ ( طه : 15 ) .

تفسير التحرير والتنوير · الجزء ٦ · الصفحة ١٨٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تفسير التحرير والتنويرج ٦ · ص ١٨٢