الحيوان والصيد ، فكان القتل معروفا لهما ، ولهذا عزم عليه قابيل ، فرأى هابيل للنفوس حرمة ولو كانت ظالمة ، ورأى في الاستسلام لطالب قتله إبقاء على حفظ النفوس لإكمال مراد الله من تعمير الأرض . ويمكن أن يكونا تلقيا من أبيهما الوصاية بحفظ النفوس صغيرها وكبيرها ولو كان في وقت الدفاع ، ولذلك قال : ﴿ إني أخاف الله رب العالمين ﴾ . فقوله : ﴿ إني أخاف الله ﴾ يدل على أن الدفاع بما يفضي إلى القتل كان محرما وأن هذا شريعة منسوخة لأن الشرائع تبيح للمعتدى عليه أن يدافع عن نفسه ولو بقتل المعتدي ، ولكنه لا يتجاوز الحد الذي يحصل به الدفاع . وأما حديث ( إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار ) فذلك في القتال على الملك وقصد التغالب الذي ينكف فيه المعتدي بتسليم الآخر له ؛ فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أصلح الفريقين بالتسليم للآخر وحمل التبعة عليه تجنبا للفتنة ، وهو الموقف الذي وقفه عثمان رضي الله عنه رجاء الصلاح .
ومعنى ﴿ أريد ﴾ : أريد من إمساكي عن الدفاع . وأطلقت الإرادة على العزم كما في قوله تعالى : ﴿ قال إني أريد أن أنكحك إحدى ابنتي هاتين ﴾ ( القصص : 27 ) ، وقوله : ﴿ يريد الله بكم اليسر ﴾ ( البقرة : 185 ) . فالجملة تعليل للتي قبلها ، ولذلك فصلت وافتتحت ب ( إن ) المشعرة بالتعليل بمعنى فاء التفريع .
و ﴿ تبوء ﴾ ترجع ، وهو رجوع مجازي ، أي تكتسب ذلك من فعلك ، فكأنه خرج يسعى لنفسه فباء بإثمين . والأظهر في معنى قوله ﴿ بإثمي ﴾ ما له من الآثام الفارطة في عمره ، أي أرجو أن يغفر لي وتحمل ذنوبي عليك . وفي الحديث : ( يؤتى بالظالم والمظلوم يوم القيامة فيؤخذ من حسنات الظالم فيزاد في حسنات المظلوم حتى ينتصف فإن لم يكن له حسنات أخذ من سيئات المظلوم فتطرح عليه ) . رواه مسلم . فإن كان قد قال هذا عن علم من وحي فقد كان مثل ما شرع في