تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

إذا جرينا على ما تحصحص لدينا وتمحص : من أن سورة المائدة هي من آخر السور نزولا ، وأنها نزلت في عام حجة الوداع ، جزمنا بأن هذه الآية نزلت هنا تذكيرا بنعمة عظيمة من نعم التشريع : وهي منة شرع التيمم عند مشقة التطهر بالماء ، فجزمنا بأن هذا الحكم كله مشروع من قبل ، وإنما ذكر هنا في عداد النعم التي امتن الله بها على المسلمين ، فإن الآثار صحت بأن الوضوء والغسل شرعا مع وجوب الصلاة ، وبأن التيمم شرع في غزوة المريسيع سنة خمس أو ست . وقد تقدم لنا في تفسير قوله تعالى : ﴿ يأيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى في سورة النساء ( 43 ) الخلاف في أن الآية التي نزل فيها شرع التيمم أهي آية سورة النساء ، أم آية سورة المائدة . وذكرنا هنالك أن حديث الموطأ ﴾ من رواية مالك عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه عن عائشة ليس فيه تعيين الآية ولكن سماها آية التيمم ، وأن القرطبي اختار أنها آية النساء لأنها المعروفة بآية التيمم ، وكذلك اختار الواحدي في ( أسباب النزول ) ، وذكرنا أن صريح رواية عمرو بن حريث عن عائشة : أن الآية التي نزلت في غزوة المريسيع هي قوله تعالى : ﴿ يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة ﴾ الآية ، كما أخرجه البخاري عن يحيى عن ابن وهب عن عمرو بن حريث عن عبد الرحمن بن القاسم ، ولا يساعد مختارنا في تاريخ نزول سورة المائدة ، فإن لم يكن ما في حديث البخاري سهوا من أحد رواته غير عبد الرحمن بن القاسم وأبيه ، أراد أن يذكر آية ﴿ يأيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون ولا جنبا إلا عابري سبيل حتى تغتسلوا ، وهي آية النساء ( 43 ) ، فذكر آية يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم ﴾ الآية . فتعين تأويله حينئذ بأن تكون آية ﴿ يأيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة ﴾ قد نزلت قبل نزول سورة المائدة ، ثم أعيد نزولها في سورة المائدة ، أو أمر الله أن توضع في هذا الموضع من سورة المائدة ، والأرجح عندي : أن يكون ما في حديث البخاري وهما من بعض رواته لأن بين الآيتين مشابهة .

تفسير التحرير والتنوير · الجزء ٦ · الصفحة ١٢٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تفسير التحرير والتنويرج ٦ · ص ١٢٦