بيان المحرمات سابقا على السؤال ، وعلى الوجه الثاني قد قصد الاهتمام ببيان الحلال بوجه جامع ، فعنون الاهتمام به بإيراده بصيغة السؤال المناسب لتقدم ذكره .
و ﴿ الطيبات ﴾ صفة لمحذوف معلوم من السياق ، أي الأطعمة الطيبة ، وهي الموصوفة بالطيب ، أي التي طابت . وأصل معنى الطيب معنى الطهارة والزكاء والوقع الحسن في النفس عاجلا وآجلا ، فالشيء المستلذ إذا كان وخما لا يسمى طيبا : لأنه يعقب ألما أو ضرا ، ولذلك كان طيب كل شيء أن يكون من أحسن نوعه وأنفعه . وقد أطلق الطيب على المباح شرعا ؛ لأن إباحة الشرع الشيء علامة على حسنه وسلامته من المضرة ، قال تعالى : ﴿ كلوا مما في الأرض حلالا طيبا ﴾ ( البقرة : 168 ) . والمراد بالطيبات في قوله : ﴿ أحل لكم الطيبات ﴾ معناها اللغوي ليصح إسناد فعل ﴿ أحل ﴾ إليها . وقد تقدم شيء من معنى الطيب عند قوله تعالى : { يأيها الناس كلوا مما في الأرض حلالا طيبا في سورة البقرة ( 168 ) ، ويجيء شيء منه عند قوله تعالى : والبلد الطيب في سورة الأعراف ( 58 ) .
والطيبات } وصف للأطعمة قرن به حكم التحليل ، فدل على أن الطيب علة التحليل ، وأفاد أن الحرام ضده وهو الخبائث ، كما قال في آية الأعراف ، في ذكر الرسول صلى الله عليه وسلم ﴿ ويحل لهم الطيباتت ويحرم عليهم الخبائث ﴾ ( الأعراف : 157 ) .
وقد اختلفت أقوال السلف في ضبط وصف الطيبات ؛ فعن مالك : الطيبات الحلال ، ويتعين أن يكون مراده أن الحل هو المؤذن بتحقق وصف الطيب في الطعام المباح ، لأن الوصف الطيب قد يخفى ، فأخذ مالك بعلامته وهي الحل كيلا يكون قوله : ﴿ الطيبات ﴾ حوالة على ما لا ينضبط بين الناس مثل الاستلذاذ ، فيتعين ، إذن ، أن يكون قوله : ﴿ أحل لكم الطيبات ﴾ غير مراد منه ضبط الحلال ، بل أريد به الامتنان