يفصح عن هذا الشرط المعرب عن أحوالهم بتقدير : فإن خشيتم الهلاك في مخمصة فمن اضطر في مخمصة الخ . ولا تصلح الفاء على هذا الوجه للعطف : إذ ليس في الجمل السابقة من جمل التحريم ما يصلح لعطف ( من اضطر في مخمصة ) عليه .
والأحسن عندي أن يكون موقع ﴿ فمن اضطر في مخمصة ﴾ متصلا بقوله : ﴿ ورضيت لكم الإسلام دينا ﴾ ، اتصال المعطوف بالمعطوف عليه ، والفاء للتفريع : تفريع منة جزئية على منة كلية ، وذلك أن الله امتن في هذه الجمل الثلاث بالإسلام ثلاث مرات : مرة بوصفه في قوله ﴿ دينكم ﴾ ، ومرة بالعموم الشامل له في قوله : ﴿ نعمتي ﴾ ، ومرة باسمه في قوله : ﴿ الإسلام ﴾ ؛ فقد تقرر بينهم : أن الإسلام أفضل صفاته السماحة والرفق ، من آيات كثيرة قبل هذه الآية ، فلما علمهم يوجسون خيفة الحاجة في الأزمات بعد تحريم ما حرم عليهم من المطعومات ، وأعقب ذلك بالمنة ثم أزال عقب ذلك ما أوجسوه من نفوسهم بقوله : ﴿ فمن اضطر ﴾ الخ ؛ فناسب أن تعطف هاته التوسعة ، وتفرع على قوله : ﴿ ورضيت لكم الإسلام دينا ﴾ وتعقب المنة العامة بالمنة الخاصة .
والاضطرار : الوقوع في الضرورة ، وفعله غلب عليه البناء للمجهول ، وقد تقدم بيانه عند قوله تعالى : { ثم اضطره إلى عذاب النار في سورة البقرة ( 126 ) .
والمخمصة : المجاعة ، اشتقت من الخمص وهو ضمور البطن ، لأن الجوع يضمر البطون ، وفي الحديث تغدو خماصا فتروح بطانا .
والتجانف : التمايل ، والجنف : الميل ، قال تعالى : فمن خاف من موص جنفا } ( البقرة : 182 ) الآية . والمعنى أنه اضطر غير مائل إلى الحرام من أخذ أموال الناس ، أو من مخالفة الدين . وهذه حال قصد بها ضبط حالة الاضطرار في الإقدام والإحجام ، فلا يقدم على أكل المحرمات إذا كان رائما بذلك تناولها مع ضعف الاحتياج ، ولا يحجم عن تناولها إذا خشي أن