يظن أن الله لم يحرم شيئا إلا ما في هذا القرآن ألا وإني والله قد أمرت ووعظت ونهيت عن أشياء إنها لمثل القرآن أو أكثر ) ، وأخرجه الترمذي من حديث المقدام . وعرض الحوادث على مقياس تصرفاته والصريح من سنته .
والتنازع : شدة الاختلاف ، وهو تفاعل من النزع ، أي الأخذ ، قال الأعشى :
نازعتهم قضب الريحان متكئا
وقهوة مزة راووقها خضل
فأطلق التنازع على الاختلاف الشديد على طريق الاستعارة ، لأن الاختلاف الشديد يشبه التجاذب بين شخصين ، وغلب ذلك حتى ساوى الحقيقة ، قال الله تعالى : ﴿ ولا تنازعوا ففشلوا ﴾ ( الأنفال : 46 ) ﴿ فتنازعوا أمرهم بينهم وأسروا النجوى ﴾ ( طه : 62 ) .
وضمير ﴿ تنازعتم ﴾ راجع للذين آمنوا فيشمل كل من يمكن بينهم التنازع ، وهم من عدا الرسول ، إذ لا ينازعه المؤمنون ، فشمل تنازع العموم بعضهم مع بعض ، وشمل تنازع ولاة الأمور بعضهم مع بعض ، كتنازع الوزراء مع الأمير أو بعضهم مع بعض ، وشمل تنازع الرعية مع ولاة أمورهم ، وشمل تنازع العلماء بعضهم مع بعض في شؤون علم الدين . وإذا نظرنا إلى ما ذكر في سبب النزول نجد المراد ابتداء هو الخلاف بين الأمراء والأمة ، ولذلك نجد المفسرين قد فسروه ببعض صور من هذه الصور ، فليس مقصدهم قصر الآية على ما فسروا به ، وأحسن عباراتهم في هذا قول الطبري : ( يعني فإن اختلفتم أيها المؤمنون أنتم فيما بينكم أو أنتم وأولو أمركم فيه ) . وعن مجاهد : فإن تنازع العلماء ردوه إلى الله ) .
ولفظ ( شيء ) نكرة متوغلة في الإبهام فهو في حيز الشرط يفيد العموم ، أي في كل شيء ، فيصدق بالتنازع في الخصومة على الحقوق ، ويصدق بالتنازع في اختلاف الآراء عند المشاورة أو عند مباشرة عمل ما ، كتنازع ولاة الأمور في إجراء أحوال الأمة . ولقد حسن موقع كلمة ( شيء ) هنا تعميم الحوادث وأنواع الاختلاف ، فكان من المواقع الرشيقة في تقسيم عبد القاهر ، وقد تقدم تحقيق مواقع لفظ شيء عند قوله تعالى : { ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع في سورة البقرة ( 155 ) .