والقرب هنا مستعمل في معناه المجازي وهو التلبس بالفعل ، لأن ( قرب ) حقيقة في الدنو من المكان أو الذات يقال : قرب منه بضم الراء وقربه بكسر الراء وهما بمعنى ، ومن الناس من زعم أن مكسور الراء للقرب المجازي خاصة ، ولا يصح .
وإنما اختير هذا الفعل دون لا تصلوا ونحوه للإشارة إلى أن تلك حالة منافية للصلاة ، وصاحبها جدير بالابتعاد عن أفضل عمل في الإسلام ، ومن هنا كانت مؤذنة بتغير شأن الخمر ، والتنفير منها ، لأن المخاطبين يومئذ هم أكمل الناس إيمانا وأعلقهم بالصلاة ، فلا يرمقون شيئا يمنعهم من الصلاة إلا بعين الاحتقار . ومن المفسرين من تأول الصلاة هنا بالمسجد من إطلاق اسم الحال على المحل كما في قوله تعالى : ﴿ وصلوات ومساجد ﴾ ( الحج : 40 ) ، ونقل عن ابن عباس ، وابن مسعود ، والحسن قالوا : كان جماعة من الصحابة يشربون الخمر ثم يأتون المسجد للصلاة مع رسول الله فنهاهم الله عن ذلك ولا يخفى بعده ومخالفته لمشهور الآثار .
وقوله : ﴿ حتى تعلموا ما تقولون ﴾ غاية للنهي وإيماء إلى علته ، واكتفى بقوله ( تقولون ) عن ﴿ تفعلون ﴾ لظهور أن ذلك الحد من السكر قد يفضي إلى اختلال أعمال الصلاة ، إذ العمل يسرع إليه الاختلال باختلال العقل قبل اختلال القول . وفي الآية إيذان بأن السكر الخفيف لا يمنع الصلاة يومئذ ؛ أو أريد من الغاية أنها حالة انتهاء السكر فتبقى بعدها النشوة . وسكارى جمع سكران ، والسكران من أخذ عقله في الانغلاق ، مشتق من السكر ، وهو الغلق ، ومنه سكر الحوض وسكر الباب ﴿ وسكرت أبصارنا ﴾ ( الحجر : 15 ) .
ولما نزلت هذه الآية اجتنب المسلمون شرب الخمر في أوقات الصلوات فكانوا لا يشربون إلا بعد صلاة العشاء وبعد صلاة الصبح ، لبعد ما بين هاتين الصلاتين وبين ما تليانهما ، ثم أكمل مع تحريم قربان الصلاة في حالة السكر تحريم قربانها بدون طهارة .