والمذبذب اسن مفعول من الذبذبة . يقال : ذبذبه فتذبذب . والذبذبة : شدة الاضطراب من خوف أو خجل ، قيل : إن الذبذبة مشتقة من تكرير ذب إذا طرد ، لأن المطرود يعجل ويضطرب ، فهو من الأفعال التي أفادت كثرة المصدر بالتكرير ، مثل زلزل ولملم بالمكان وصلصل وكبكب ، وفيه لغة بدالين مهملتين ، وهي التي تجري في عاميتنا اليوم ، يقولون : رجل مدبدب ، أي يفعل الأشياء على غير صواب ولا توفيق . فقيل : إنها مشتقة من الدبة بضم الدال وتشديد الباء الموحدة أي الطريقة بمعنى أنه يسلك مرة هذا الطريق ومرة هذا الطريق .
والإشارة بقوله : ﴿ بين ذلك ﴾ إلى ما استفيد من قوله : ﴿ يراءون الناس ﴾ لأن الذي يقصد من فعله إرضاء الناس لا يلبث أن يصير مذبذبا ، إذ يجد في النماس أصنافا متباينة المقاصد والشهوات . ويجوز جعل الإشارة راجعة إلى شيء غير مذكور ، ولكن إلى ما من شأنه أن يشار إليه ، أي مذبذبين بين طرفين كالإيمان والكفر .
وجملة ﴿ لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء ﴾ صفة ل ﴿ مذبذبين ﴾ لقصد الكشف عن معناه لما فيه من خفاء الاستعارة ، أو هي بيان لقوله : ﴿ مذبذبين بين ذلك ﴾ . و ﴿ هؤلاء ﴾ أحدهما إشارة إلى المؤمنين ، والآخر إشارة إلى الكافرين من غير تعيين ، إذ ليس في المقام إلا فريقان فأيها جعلته مشارا إليه بأحد اسمي الإشارة صح ذلك ، ونظيره قوله تعالى ( فوجد فيها رجلين يقتتلان هذا من شيعته وهذا من عدوه ) .
والتقدير لا هم إلى المسلمين ولا هم إلى الكافرين . و ( إلى ) متعلقة بمحذوف دل عليه معنى الانتهاء ، أي لا ذاهبين إلى هذا الفريق ولا إلى الفريق الآخر ، والذهاب الذي دلت عليه ( إلى ) ذهاب مجازي وهو الانتماء والانتساب ، أي هم أضاعوا النسبتين فلا هم مسلمون ولا هم كافرون ثابتون ، والعرب تأتي بمثل هذا التركيب المشتمل على ( لا ) النافية مكررة في غرضين : تارة يقصدون به إضاعة الأمرين ، كقول إحدى نساء حديث أم زرع ( لا سهل فيرتقى ولا سمين فينتقل ) وقوله تعالى : ﴿ فلا صدق ولا صلى ﴾ ( القيامة : 31 ) ﴿ لا ذلول تثير الأرض ولا تسقي الحرث ﴾ ( البقرة : 71 ) . وتارة يقصدون به إثبات حالة وسط بين حالين ، كقوله تعالى : ﴿ لا شرقية ولا غريبة ﴾ ( النور : 35 ) ﴿ لا فارض ولا بكر ﴾ ( المائدة : 68 ) ، وقول زهير :
فلا هو أخفاها ولم يتقدم