تكرر في القرآن من قبل نزول هذه السورة نحو قوله في البقرة : وإذا خلوا إلى شياطينهم قالوا إنا معكم إنما نحن مشتهزءون } مما حصل من مجموعه تقرر هذا المعنى .
و ( أن ) في قوله : ﴿ أن إذا سمعتم ﴾ تفسيرية ، لأن ( نزل ) تضمن معنى الكلام دون حروف القول ، إذ لم يقصد حكاية لفظ ( ما نزل ) بل حاصل معناه . وجعلها بعضهم مخففة من الثقيلة واسمها ضمير شأن محذوفا ، وهو بعيد .
وإسناد الفعلين : ﴿ يكفر ﴾ و ﴿ يستهزأ ﴾ إلى المجهول لتتأتى ، بحذف الفاعل ، صلاحية إسناد الفعلين إلى الكافرين والمنافقين . وفيه إيماء إلى أن المنافقين يركنون إلى المشركين واليهود لأنهم يكفرون بالآيات ويستهزئون ، فتنثلج لذلك نفوس المنافقين ، لأن المنافقين لا يستطيعون أن يتظاهروا بذلك للمسلمين فيشفي غليلهم أن يسمع المسلمون ذلك من الكفار .
وقد جعل زمان كفرهم واستهزائهم هو زمن سماع المؤمنين آيات الله . والمقصود أنه زمن نزول آيات الله أو قراءة آيات الله ، فعدل عن ذلك إلى سماع المؤمنين ، ليشير إلى عجيب تضاد الحالين ، فلفي حالة اتصاف المنافقين بالكفر بالله والهزل بآياته يتصف المؤمنون بتلقي آياته والإصغاء إليها وقصد الوعي لها والعمل بها .
وأعقب ذلك بتفريع النهي عن مجالستهم في تلك الحالة حتى ينتقلوا إلى غيرها ، لئلا يتوسل الشيطان بذلك إلى استضعاف حرص المؤمنين على سماع القرآن ، لأن للأخلاق عدوى ، وفي المثل ( تعدي الصحاح مبارك الجرب ) .
وهذا النهي يقتضي الأمر بمغادرة مجالسهم إذا خاضوا في الكفر بالآيات والاستهزاء بها . وفي النهي عن القعود إليهم حكمة أخرى : وهي وجوب إظهار الغضب لله من ذلك كقوله : ﴿ تلقون إليهم بالمودة وقد كفروا بما جاءكم من الحق ﴾ ( الممتحنة : 1 ) .
و ( حتى ) حرف يعطف غاية الشيء عليه ، فالنهي عن القعود معهم غايته أم يكفوا عن الخوض في الكفر بالآيات والاستهزاء بها .
وهذا الحكم تدريج في تحريم موالاة المسلمين للكافرين ، جعل مبدأ ذلك أن لا يحضروا مجالس كفرهم ليظهر التمايز بين المسلمين الخلص وبين المنافقين ، ورخص