| 2 ( 114 ) ﴿ لا خير فى كثير من نجواهم إلا من أمر بصدقة أو معروف أو إصلاح بين الناس ومن يفعل ذالك ابتغآء مرضات الله فسوف نؤتيه أجرا عظيما ﴾ . ) 2
لم تخل الحوادث التي أشارت إليها الآي السابقة ، ولا الأحوال التي حذرت منها ، من تناج وتحاور ، سرا وجهرا ، لتدبير الخيانات وإخفائها وتبييتها ، لذلك كان المقام حقيقا بتعقيب جميع ذلك بذكر النجوى وما تشتمل عليه ، لأن في ذلك تعليما وتربية وتشريعا ، إذ النجوى من أشهر الأحوال العارضة للناس في مجتمعاتهم ، لا سيما في وقت ظهور المسلمين بالمدينة ، فقد كان فيها المنافقون واليهود وضعفاء المؤمنين ، وكان التناجي فاشيا لمقاصد مختلفة ، فربما كان يثير في نفوس الرائين لتلك المناجاة شكا ، أي خوفا ، إذ كان المؤمنون في حال مناواة من المشركين وأهلل الكتاب ، فلذلك تكرر النهي عن النجوى في القرآن نحو ﴿ ألم تر إلى الذين نهوا عن النجوى ﴾ ( المجادلة : 8 ) الآيات ، وقوله : ﴿ إذ يستمعون إليك وإذ هم نجوى ﴾ ( الإسراء : 47 ) وقوله : ﴿ وإذا خلوا إلى شياطينهم قالوا إنا معكم ﴾ ( البقرة : 14 ) ، فلذلك ذم الله النجوى هنا أيضا ، فقال : ﴿ لا خير في كثير من نجواهم ﴾ . فالجملة مستأنفة استئنافا ابتدائيا لإفادة حكم النجوى ، والمناسبة قد تبينت .
والنجوى مصدر ، هي المسارة في الحديث ، وهي مشتقة من النجو ، وهو المكان المستتر الذي المفضي إليه ينجو من طالبه ، ويطلق النجوى على المناجين ، وفي القرآن ﴿ إذ يستمعون إليك وإذ هم نجوى ﴾ ، وهو وصف بالمصدر والآية تحتمل المعنيين . والضمير الذي أضيف إليه ﴿ نجوى ﴾ ضمير جماعة الناس كلهم ، نظير قوله تعالى : ﴿ ألا إنهم يثنون صدورهم ليستخفوا منه ﴾ إلى قوله : ﴿ وما يعلنون في سورة هود ( 5 ) ، وليس عائدا إلى ما عادت إليه الضمائر التي قبله في قوله : يستخفون من الناس ﴾ ( النساء : 108 ) إلى هنا ؛ لأن المقام مانع من عوده إلى تلك الجماعة إذ لم تكن نجواهم إلا فيما يختص بقضيتهم ، فلا عموم لها يستقيم معه الاستثناء في قوله : ﴿ إلا من أمر بصدقة أو معروف أو إصلاح بين الناس ﴾ . وعلى هذا فالمقصود من الآية تربية اجتماعية دعت إليها المناسبة ، فإن شأن المحادثات