اتصال هذه الآية بما قبلها يرجع إلى ما مضى من وصف أحوال المنافقين ومناصريهم ، وانتقل من ذلك إلى الاستعداد لقتال المناوين للإسلام من قوله : ﴿ يأيها الذين آمنوا خذوا حذركم فانفروا ﴾ ( النساء : 71 ) الآية ، وتخلل فيه من أحوال المنافقين في تربصهم بالمسلمين الدوائر ومختلف أحوال القبائل في علائقهم مع المسلمين ، واستطرد لذكر قتل الخطأ والعمد ، وانتقل إلى ذكر الهجرة ، وعقب بذكر صلاة السفر وصلاة الخوف ، عاد الكلام بعد ذلك إلى أحوال أهل النفاق .
والجملة مستأنفة استئنافا ابتدائيا .
وجمهور المفسرين على أن هاته الآية نزلت بسبب حادثة رواها الترمذي حاصلها : أن أخوة ثلاثة يقال لهم : بشر وبشير ومبشر ، أبناء أبيرق ، وقيل : أبناء طعمة بن أبيرق ، وقيل : إنما كان بشير أحدهم يكنى أبا طعمة ، وهم من بني ظفر من أهل المدينة ، وكان بشير شرهم ، وكان منافقا يهجو المسلمين بشعر يشيعه وينسبه إلى غيره ، وكان هؤلاء الإخوة في فاقة ، وكانوا جيرة لرفاعة بن زيد ، وكانت عير قد أقبلت من الشام بدرمكك وهو دقيق الحوارى أي السميذ فابتاع منها رفاعة بن زيد حملا من درمك لطعامه ، وكان أهل المدينة يأكلون دقيق الشعير ، فإذا جاء الدرمك ابتاع منه سيد المنزل شيئا لطعامه فجعل الدرمك في مشربة له وفيها سلاح ، فعدى بنو أبيرق عليه فنقبوا مشربته وسرقوا الدقيق والسلاح ، فلما أصبح رفاعة ووجد مشربته قد سرقت أخبر ابن أخيه قتادة بن النعمان بذلك ، فجعل يتحسس ، فأنبىء بأن بني أبيرق استوقدوا في تلك الليلة نارا ، ولعله على بعض طعام رفاعة ، فلما افتضح بنو أبيرق طرحوا المسروق في دار أبي مليل الأنصاري . وقيل : في دار يهودي اسمه زيد بن السمين ، وقيل : لبيد بن سهل ، وجاء بعض بني ظفر إلى النبي صلى الله عليه وسلم فاشتكوا إليه أن رفاعة وابن أخيه اتهما بالسرقة أهل بيت إيمان وصلاح ، قال قتادة : فأتيت رسول الله ، فقال لي ( عمدت إلى أهل بيت إسلام وصلاح فرميتهم بالسرقة على غير بينة ) . وأشاعوا في الناس أن المسروق في دار أبي مليل أو دار اليهودي . فما لبث أن نزلت هذه الآية ، وأطلع الله رسوله على جلية الأمر ، معجزة له ، حتى لا يطمع أحد في أن يروج على الرسول باطلا . هذا هو الصحيح في سوق هذا الخبر . ووقع في ( كتاب أسباب النزول )