تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

التأويل هو البين في محمل هذه الآية ، فيكون ثبوت القصر في السفر بدون الخوف وقصر الصلاة في الحضر عند الخوف ثابتين بالسنة ، وأحدهما أسبق من الآخر ، كما قال ابن عمر . وعن يعلى بن أمية أنه قال : قلت لعمر بن الخطاب : إن الله تعالى يقول : ﴿ إن خفتم ﴾ وقد أمن الناس . فقال : عجبت مما عجبت منه فسألت رسول الله عن ذلك فقال ( صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته ) . ولا شك أن محمل هذا الخبر أن النبي صلى الله عليه وسلم أقر عمر على فهمه تخصيص هذه الآية بالقصر لأجل الخوف ، فكان القصر لأجل الخوف رخصة لدفع المشقة ، وقوله : له صدقة الخ ، معناه أن القصر في السفر لغير الخوف صدقة من الله ، أي تخفيف ، وهو دون الرخصة فلا تردوا رخصته ، فلا حاجة إلى ما تمحلوا به في تأويل القيد الذي في قوله : ﴿ إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا ﴾ وتقتصر الآية على صلاة الخوف ، ويستغني القائلون بوجوب القصر في السفر مثل ابن عباس ، وأبي حنيفة ، ومحمد بن سحنون ، وإسماعيل بن إسحاق من المالكية ؛ والقائلون بتأكيد سنة القصر مثل مالك بن أنس وعامة أصحابه ، عن تأويل قوله : ﴿ فليس عليكم جناح ﴾ بما لا يلائم إطلاق مثل هذا اللفظ . ويكون قوله : ﴿ وإذا ضربتم في الأرض ﴾ إعادة لتشريع رخصة القصر في السفر لقصد التمهيد لقوله : ﴿ وإذا كنت فيهم ﴾ الآيات .

أما قصر الصلاة في السفر فقد دلت عليه السنة الفعلية ، واتبعه جمهور الصحابة إلا عائشة وسعد بن أبي وقاص ، حتى بالغ من قال بوجوبه من أجل حديث عائشة في ( الموطأ ) و ( الصحيحين ) لدلالته على أن صلاة السفر بقيت على فرضها ، فلو صلاها رباعية لكانت زيادة في الصلاة ، ولقول عمر فيما رواه النسائي وابن ماجة : صلاة السفر ركعتان تمام غير قصر . وإنما قال مالك بأنه سنة لأنه لم يرو عن النبي صلى الله عليه وسلم في صلاة السفر إلا القصر ، وكذلك الخلفاء من بعده . وإنما أتم عثمان بن عفان الصلاة في الحج خشية أن يتوهم الأعراب أن الصلوات كلها ركعتان . غير أن مالكا لم يقل بوجوبه من أجل قوله تعالى : ﴿ فليس عليكم جناح ﴾ لمنافاته لصيغ الوجوب . ولقد أجاد محامل الأدلة .

وأخبر عن الكافرين وهو جمع بقوله : ﴿ عدوا ﴾ وهو مفرد . وقد قدمنا ذلك عند قوله تعالى : ﴿ فإن كان من قوم عدو لكم ﴾ ( النساء : 92 ) .

تفسير التحرير والتنوير · الجزء ٥ · الصفحة ١٨٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تفسير التحرير والتنويرج ٥ · ص ١٨٤