تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وقوله : ﴿ والله أعلم بإيمانكم ﴾ اعتراض جمع معاني شتى ، أنه أمر ، وقيد للأمر في قوله تعالى : ﴿ ومن لم يستطع منكم طولا ﴾ إلخ ؛ وقد تحول الشهوة والعجلة دون تحقيق شروط الله تعالى ، فأحالهم على إيمانهم المطلع عليه ربهم . ومن تلك المعاني أنه تعالى أمر بنكاح الإماء عند العجز عن الحرائر ، وكانوا في الجاهلية لا يرضون بنكاح الأمة وجعلها حليلة ، ولكن يقضون منهن شهواتهم بالبغاء ، فأراد الله إكرام الإماء المؤمنات ، جزاء على إيمانهن ، وإشعارا بأن وحدة الإيمان قربت الأحرار من العبيد ، فلما شرع ذلك كله ذيله بقوله : ﴿ والله أعلم بإيمانكم ﴾ ، أي بقوته ، فلما كان الإيمان ، هو الذي رفع المؤمنين عند الله درجات كان إيمان الإماء مقنعا للأحرار بترك الاستنكاف عن تزوجهن ، ولأنه رب أمة يكون إيمانها خيرا من إيمان رجل حر ، وهذا كقوله ﴿ إن أكرمكم عند الله أتقاكم ﴾ ( الحجرات : 13 ) . وقد أشار إلى هذا الأخير صاحب ( الكشاف ) ، وابن عطية .

وقوله : ﴿ بعضكم من بعض ﴾ تذييل ثان أكد به المعنى الثاني المراد من قوله : ﴿ والله أعلم بإيمانكم ﴾ فإنه بعد أن قرب إليهم الإماء من جانب الوحدة الدينية قربهن إليهم من جانب الوحدة النوعية ، وهو أن الأحرار والعبيد كلهم من بني آدم ف ( من ) اتصالية .

وفرع عن الأمر بنكاح الإماء بيان كيفية ذلك فقال : ﴿ فأنكحوهن بإذن أهلهن ﴾ وشرط الإذن لئلا يكون سرا وزني ، ولأن نكاحهن دون ذلك اعتداء على حقوق أهل الإماء .

والأهل هنا بمعنى السادة المالكين ، وهو إطلاق شائع على سادة العبيد في كلام الإسلام . وأحسب أنه من مصطلحات القرآن تلطفا بالعبيد ، كما وقع النهي أن يقول العبد لسيده : سيدي ، بل يقول : مولاي . ووقع في حديث بريرة ( أن أهلها أبوا إلا أن يكون الولاء لهم ) .

والآية دليل على ولاية السيد لأمته ، وأنه إذا نكحت الأمة بدون إذن السيد فالنكاح مفسوخ ، ولو أجازه سيدها . واختلف في العبد : فقال الشعبي : والأوزاعي ، وداود : هو كالأمة . وقال مالك ، وأبو حنيفة ، وجماعة من التابعين : إذا أجازه السيد جاز ، ويحتج بها لاشتراط أصل الولاية في المرأة ، احتجاجا ضعيفا ، واحتج بها

تفسير التحرير والتنوير · الجزء ٥ · الصفحة ١٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تفسير التحرير والتنويرج ٥ · ص ١٥