تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وشملت الحسنة والسيئة ما كان من الأعيان ، كالمطر والصواعق ، والثمرة والجراد ، وما كان من الأعراض كالصحة ، وهبوب الصبا ، والربح في التجارة . وأضدادها كالمرض ، والسموم المهلكة ، والخسارة . وفي هذا النوع كان سبب نزول هذه الآية ، ويلحق بذلك ما هو من أفعال العباد كالطاعات النافعة للطائع وغيره ، والمعاصي الضارة به وبالناس ، وفي هذا الأمر جاء قوله تعالى : ﴿ قل إن ضللت فإنما أضل على نفسي وإن اهتديت فيما يوحي إلي ربي ﴾ ( سبأ : 50 ) وهو على نحو هذه الآية وإن لم تكن نازلة فيه .

ولكون هذه القضية دقيقة الفهم نبة الله على قلة فهمهم للمعاني الخفية بقوله : ﴿ فما لهؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثا ﴾ ، فقوله : ﴿ لا يكادون ﴾ يجوز أن يكون جاريا على نظائره من اعتبار القلب ، أي يكادون لا يفقهون ، كما تقدم عند قوله تعالى : ﴿ فذبحوها وما كادوا يفعلون ﴾ ( البقرة : 71 ) فيكون فيه استبقاء عليهم في المذمة . ويجوز أن يكون على أصل وضع التركيب ، أي لا يقاربون فهم الحديث الذي لا يعقله إلا الفطناء ، فيكون أشد في المذمة .

والفقه فهم ما يحتاج إلى إعمال فكر . قال الراغب : ( هو التوصل إلى علم غائب بعلم شاهد ، وهو أخص من العلم ) . وعرفه غيره بأنه ( إدراك الأشياء الخفية ) .

والخطاب في قوله : ﴿ ما أصابك ﴾ خطاب للرسول ، وهذا هو الأليق بتناسق الضمائر ، ثم يعلم أن غيره مثله في ذلك .

وقد شاع الاستدلال بهذه الآية على أن أفعال العباد مخلوقة لله تعالى على طريقة الشيخ أبي الحسن الأشعري لقوله : ﴿ قل كل من عند الله ﴾ ، كما شاع استدلال المعتزلة بها على أن الله لا يخلق المعصية والشر لقوله : ﴿ وما أصابك من سيئة فمن نفسك ﴾ . وقال أبو الحسن شبيب بن حيدرة المالكي في كتاب ( حز الغلاصم ) : إن الاحتجاج بها في كلا الأمرين جهل لابتنائه على توهم أن الحسنة والسيئة هي الطاعة والمعصية ، وليستا كذلك .

وأنا أقول : إن أهل السنة ما استدلوا بها إلا قولا بموجب استدلال المعتزلة بها على التفرقة بين اكتساب الخير والشر على أن عموم معنى الحسنة والسيئة كما بينته

تفسير التحرير والتنوير · الجزء ٥ · الصفحة ١٣٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تفسير التحرير والتنويرج ٥ · ص ١٣٣