معنى الكلام : فليقاتل في سبيل الله المؤمنون حقا فإنهم يشرون الحياة الدنيا بالآخرة ، ولا يفهم أحد من قوله : ﴿ فليقاتل في سبيل الذين يشرون ﴾ أن الأمر بالقتال مختص بفريق دون آخر ، لأن بذل الحياة في الحصول على ثواب الآخرة شيء غير ظاهر حتى يعلق التكليف به ، وإنما هو ضمائر بين العباد وربهم ، فتعين أن إسناد الأمر إلى أصحاب هذه الصلة مقصود منه الثناء على المجاهدين ، وتحقير المبطئين ، كما يقول القائل ( ليس بعشكك فادرجي ) . فهذا تفسير الآية بوجه لا يعتريه إشكال . ودخل في قوله : ﴿ أو يغلب ﴾ أصناف الغلبة على العدو بقتلهم أو أسرهم أو غنم أموالهم .
وإنما اقتصر على القتل والغلبة في قوله : ﴿ فيقتل أو يغلب ﴾ ولم يزد أو يؤسر إباية من أن يذكر لهم حالة ذميمة لا يرضاها الله للمؤمنين ، وهي حالة الأسر ؛ فسكت عنها لئلا يذكرها في معرض الترغيب وإن كان للمسلم عليها أجر عظيم أيضا إذا بذل جهده في الحرب فعلب إذ الحرب لا تخلو من ذلك ، وليس بمأمور أن يلقي بيده إلى التهلكة إذا علم أنه لا يجدي عنه الاستبسال ، فإن من منافع الإسلام استبقاء رجاله لدفاع العدو .
والخطاب في قوله : ﴿ ومالكم لا تقاتلون ﴾ التفات من طريق الغيبة ، وهو طريق الموصول في قوله : ﴿ الذين يشرون الحياة الدنيا بالآخرة ﴾ إلى طريق المخاطبة .
ومعنى ﴿ ما لكم لا تقاتلون ﴾ ما يمنعكم من القتال ، وأصل التركيب : أي شيء حق لكم في حال كونكم لا تقاتلون ، فجملة ﴿ لا تقاتلون ﴾ حال من الضمير المجرور للدلالة على ما منه الاستفهام .
والاستفهام إنكاري ، أي لا شيء لكم في حال لا تقاتلون ، والمراد أن الذي هو لكم هو أن تقاتلوا ، فهو بمنزلة أمر ، أي قاتلوا في سبيل الله لا يصدكم شيء عن القتال ، وقد تقدم قريب منه عند قوله تعالى : ﴿ قالوا وما لنا أن لا نقاتل في سبيل الله ﴾ في سورة البقرة ( 246 ) .
ومعنى ﴿ في سبيل الله ﴾ لاجل دينه ولمرضاته ، فحرف ( في ) للتعليل ، ولأجل المستضعفين ، أي لنفعهم ودفع المشركين عنهم .
و ( المستضعفون ) الذين يعدهم الناس ضعفاء ، و ( فالسين والتاء للحسبان ، وأراد بهم من بقي من المؤمنين بمكة من الرجال الذين منعهم المشركون من الهجرة بمقتضى الصلح الذي