تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

منه . ثم إن الإعراض عن التقاضي لدى قاضي يحكم بشريعة الإسلام قد يكون للطعن في الأحكام الإسلامية الثابت كونها حكم الله تعالى ، وذلك كفر لدخوله تحت قوله تعالى : ﴿ أفي قلوبهم مرض أم ارتابوا ﴾ ( النور : 50 ) ؛ وقد يكون لمجرد متابعة الهوى إذا كان الحكم المخالف للشرع ملائما لهوى المحكوم له ، وهذا فسوق وضلال ، كشأن كل مخالفة يخالف بها المكلف أحكام الشريعة لاتباع الأعراض الدنيوية ، وقد يكون للطعن في الحاكم وظن الجور به إذا كان غير معصوم ، وهذا فيه مراتب بحسب التمكن من الانتصاف من الحاكم وتقوميه ، وسيجيء بيان هذا عند قوله تعالى : ﴿ ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون ﴾ في سورة العقود ( 44 ) .

ومعنى ﴿ شجر ﴾ تداخل واختلف ولم يتبين فيه الإنصاف ، وأصله من الشجر لأنه يلتف بعضه ببعض وتلتف أغصانه . وقالوا : شجر أمرهم ، أي كان بينهم الشر . والحرج : الضيق الشديد ﴿ يجعل صدره ضيقا حرجا ﴾ ( الأنعام : 125 ) .

وتفريع قوله : ﴿ فلا وربك لا يؤمنون ﴾ الآية على ما قبله يقتضي أن سبب نزول هذه الآية هو قضية الخصومة بين اليهودي والمنافق ، وتحاكم المنافق فيها للكاهن ، وهذا هو الذي يقتضيه نظم الكلام ، وعليه جمهور المفسرين ، وقاله مجاهد ، وعطاء ، والشعبي .

وفي ( البخاري ) عن الزبير : أحسب هذه الآية نزلت في خصومة بيني وبين أحد الأنصار في شراج من الحرة ( أي مسيل مياه جمع شرج بفتح فسكون وهو مسيل الماء يأتي من حرة المدينة إلى الحوائط التي بها ) إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال رسول الله : ( اسق يا زبير ثم أرسل الماء إلى جارك ) فقال الأنصاري : لأن كان ابن عمتك . فتغير وجه النبي صلى الله عليه وسلم وقال : اسق يا زبير حتى يبلغ الماء الجدر ثم أرسل إلى جارك واستوف حقك ( والجدر هو ما يدار بالنخل من التراب كالجدار ) فكان قضاؤه الأول صلحا ، وكان قضاؤه الثاني أخذا بالحق ، وكأن هذا الأنصاري ظم أن النبي صلى الله عليه وسلم أراد الصلح بينهم على وجه فيه توفير لحق الزبير جبرا لخاطره ، ولم ير في ذلك ما ينافي العصمة ، فقد كان الصحابة متفاوتين في العلم بحقائق صفات الرسول مدفوعين في سبر النفوس بما اعتادوه من الأميال والمصانعات ، فنبههم الله تعالى على أن ذلك يجر إلى الطعن في العصمة . وليس هذا الأنصاري بمنافق ولا شاك

تفسير التحرير والتنوير · الجزء ٥ · الصفحة ١١٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تفسير التحرير والتنويرج ٥ · ص ١١٢