تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

والمتقارضين : للفرق الواضح في العرف بين التعامل وبين التداين إلا أن الشرع ميز هاته الواهي بعضها عن بعض بحقائقها الذاتية ، لا باختلاف أحوال المتعاقدين ، فلذلك لم يسمح لصاحب المال في استثماره بطريقة الربا في السلف ، ولو كان المستسلف غير محتاج ، بل كان طالب سعة وإثراء بتحريك المال الذي يتسلفه في وجوه الربح والتجارة ونحو ذلك ، وسمح لصاحب المال في استثماره بطريقة الشركة والتجارة ودين السلم ، ولو كان الربح في ذلك أكثر من مقدار الربا تفرقة بين المواهي الشرعية .

ويمكن أن يكون مقصد الشريعة من تحريم الربا البعد بالمسلمين عن الكسل في استثمار المال ، وإلجاؤهم إلى التشارك والتعاون في شؤون الدنيا ، فيكون تحريم الربا ، ولو كان قليلا ، مع تجويز الربح من التجارة والشركات ، ولو كان كثيرا تحقيقا لهذا المقصد .

ولقد قضى المسلمون قرونا طويلة لم يروا أنفسهم فيها محتاجين إلى التعامل بالربا ، ولم تكن ثروتهم أيامئذ قاصرة عن ثروة بقية الأمم في العالم ، أزمان كانت سيادة العالم بيدهم ، أو أزمان كانوا مستقلين بإدارة شؤونهم ، فلما صارت سيادة العالم بيد أمم غير إسلامية ، وارتبط المسلمون بغيرهم في التجارة والمعاملة ، وانتظمت سوق الثروة العالمية على قواعد القوانين التي لا تتحاشى المراباة في المعاملات ، ولا تعرف أساليب مواساة المسلمين ، دهش المسلمون ، وهم اليوم يتساءلون ، وتحريم الربا في الآية صريح ، وليس لما حرمه الله مبيح . ولا مخلص من هذا المضيق إلا أن تجعل الدول الإسلامية قوانين مالية تبنى على أصول الشريعة في المصارف ، والبيوع ، وعقود المعاملات المركبة من رؤوس الأموال وعمل العمال . وحوالات الديون ومقاصتها وبيعها . وهذا يقضي بإعمال أنظار علماء الشريعة والتدارس بينهم في مجمع يحوي طائفة من كل فرقة كما أمر الله تعالى .

وقد تقدم ذكر الربا والبيوع الربوية عند تفسير قوله تعالى : { الذين يأكلون الربا لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس الآيات الخمس من سورة البقرة ( 275 ) .

تفسير التحرير والتنوير · الجزء ٤ · الصفحة ٨٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تفسير التحرير والتنويرج ٤ · ص ٨٧