كاليدين والرجلين والرأس فيكون مستعارا هنا لأشرافف المشركين ، أي ليقطع من جسم الشرك أهم أعضائه ، أي ليستأصل صناديد الذين كفروا . وتنكير ( طرفا ) للتفخيم ، ويقال : هو من أطراف العرب ، أي من أشرافها وأهل بيوتاتها .
ومعنى ﴿ أو يكبتهم ﴾ يصيبهم بغم وكمد ، وأصل كبت كبد بالدال إذا أصابه في كبده . كقولهم : صدر إذا أصيب في صدره ، وكلي إذا أصيب في كليته ، ومتن إذا أصيب في متنه ، ورئي إذا أصيب في رئته ، فأبدلت الدال تاء وقد تبدل التاء دالا كقولهم : سبد رأسه وسبته أي حلقه . والعرب تتخيل الغم والحزن مقره الكبد ، والغضب مقره الصدر وأعضاء التنفس . قال أبو الطيب يمدح سيف الدولة حين سفره عن أنطاكية :
لأكبت حاسدا وأري عدوا
كأنهما وداعك والرحيل
وقد استقرى أحوال الهزيمة فإن فريقا قتلوا فقطع بهم طرف من الكافرين ، وفريقا كبتوا وانقلبوا خائبين ، وفريقا من الله عليهم بالإسلام ، فأسلموا ، وفريقا عذبوا بالموت على الكفر بعد ذلك ، أو عذبوا في الدنيا بالذل ، والصغار ، والأسر ، والمن عليهم يوم الفتح ، بعد أخذ بلدهم و ( أو ) بين هذه الأفعال للتقسيم .
وهذا القطع والكبت قد مضيا يوم بدر قبل نزول هذه الآية بنحو سنتين ، فالتعبير عنهما بصيغة المضارع لقصد استحضار الحالة العجيبة في ذلك النصر المبين العزيز النظير .
وجملة ﴿ ليس لك من الأمر شيء ﴾ معترضة بين المتعاطفات ، والخطاب للنبيء صلى الله عليه وسلم فيجوز أن تحمل على صريح لفظها ، فيكون المعنى نفي أن يكون للنبيء ، أي لقتاله الكفار بجيشه من المسلمين ، تأثير في حصول النصر يوم بدر ، فإن المسلمين كانوا في قلة من كل جانب من جوانب القتال ، أي فالنصر حصل بمحض فضل الله على المسلمين ، وهذا من معنى قوله : ﴿ فلم تقتلوهم ولكن الله قتلهم وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى ﴾ ( الأنفال : 17 ) .