أي : قد بينا لكم علامات عداوتهم بتلك الصفات إن كنتم تعقلون فتتوسمون تلك الصفات ، كما قال تعالى : ﴿ إن في ذلك لآيات للمتوسمين ﴾ وعلى الاحتمال الثاني يجعل ﴿ من دونكم ﴾ وصفا ، وتكون الجمل بعده مستأنفات واقعة موقع التعليل للنهي عن اتخاذ بطانة من غير أهل ملتنا ، وهذ الخلال ثابتة لهم فهي صالحة للتوصيف ، ولتعليل النهي ، ذلك لأن العداوة الناشئة عن اختلاف الدين عداوة متأصلة لا سيما عداوة قوم يرون هذا الدين قد أبطل دينهم ، وأزال حظوظهم . كما سنبينه .
ومعنى ﴿ لا يألونكم خبالا ﴾ لا يقصرون في حبالكم ، والألو التقصير والترك ، وفعله ألا يألو ، وقد يتوسعون في هذا الفعل فيعدى إلى مفعولين ، لأنهم ضمنوه معنى المنع فيما يرغب فيه المفعول ، فقالوا لا آلوك جهدا ، كما قالوا لا أدخرك نصحا ، فالظاهر أنه شاع ذلك الاستعمال حتى صار التضمين منسيا ، فلذلك تعدى إلى ما يدل على الشر كما يعدى إلى ما يدل على الخير ، فقال هنا : ﴿ لا يألونكم خبالا ﴾ أي لا يقصرون في خبالكم ، وليس المراد لا يمنعونكم ، لأن الخبال لا يرغب فيه ولا يسأل .
ويحتمل أنه استعمل في هذه الآية على سبيل التهكم بالبطانة ، لأن شأن البطانة أن يسعوا إلى ما فيه خير من استبطنهم ، فلما كان هؤلاء بضد ذلك عبر عن سعيهم بالضر ، بالفعل الذي من شأنه أن يستعمل في السعي بالخير .
والخبال اختلال الأمر وفساده ، ومنه سمي فساد العقل خبالا ، وفساد الأعضاء .
وقوله ﴿ ودوا ما عنتم ﴾ الود : المحبة ، والعنت : التعب الشديد ، أي رغبوا فيما يعنتكم و ( ما ) هنا مصدرية ، غير زمانية ، ففعل ﴿ عنتم ﴾ لما صار بمعنى المصدر زالت دلالته على المضي .
ومعنى ﴿ قد بدت البغضاء من أفواههم ﴾ ظهرت من فلتات أقوالهم كما قال تعالى : ﴿ ولتعرفنهم في لحن القول ﴾ فعبر بالبغضاء عن دلائلها .