والنهي عن المنكر قال تعالى : ﴿ فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم ﴾ ( التوبة : 122 ) الآية .
وإن كان الخطاب بالضمير لجميع المؤمنين تبعا لكون المخاطب بيأيها الذين آمنوا إياهم أيضا ، كانت ( من ) للتبعيض لا محالة ، وكان المراد بالأمة الطائفة إذ لا يكون المؤمنون كلهم مأمورين بالدعاء إلى الخير ، والأمر بالمعروف ، والنهي عن المنكر ، بل يكون الواجب على الكفاية وإلى هذا المعنى ذهب ابن عطية ، والطبري ، ومن تبعهم ، وعلى هذا فيكون المأمور جماعة غير معينة وإنما المقصود حصول هذا الفعل الذى فرض على الأمة وقوعه .
على أن هذا الاعتبار لا يمنع من أن تكون ( من ) بيانية بمعنى أن يكونوا هم الأمة ويكون المراد بكونهم يدعون إلى الخير ، ويأمرون بالمعروف ، وينهون عن المنكر ، إقامة ذلك فيهم وأن لا يخلوا عن ذلك على حسب الحاجة ومقدار الكفاءة للقيام بذلك ، ويكون هذا جاريا على المعتاد عند العرب من وصف القبيلة بالصفات الشائعة فيها الغالبة على أفرادها كقولهم : باهلة لئام ، وعذرة عشاق .
وعلى هذه الاعتبارات تجري الاعتبارات في قوله : ﴿ ولا تكونوا كالذين تفرقوا ﴾ كما سيأتي .
إن الدعوة إلى الخير تتفاوت : فمنها ما هو بين يقوم به كل مسلم ، ومنها ما يحتاج إلى علم فيقوم به أهله ، وهذا هو المسمى بفرض الكفاية ، يعني إذا قام به بعض الناس كفى عن قيام الباقين ، وتتعين الطائفة التي تقوم بها بتوفر شروط القيام بمثل ذلك الفعل فيها . كالقوة على السلاح في الحرب ، وكالسباحة في إنقاذ الغريق ، والعلم بأمور الدين في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وكذلك تعين العدد الذي يكفي للقيام بذلك الفعل مثل كون الجيش نصف عدد جيش العدو ، ولما كان الأمر يستلزم متعلقا فالمأمور في فرض الكفاية الفريق الذين فيهم الشروط ، ومجموع أهل البلد ، أو القبيلة ،