تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

انتقل من تحذير المخاطبين من الانخداع لوساوس بعض أهل الكتاب ، إلى تحريضهم على تمام التقوى ، لأن في ذلك زيادة صلاح لهم ورسوخا لإيمانهم ، وهو خطاب لأصحاب محمد صلى الله عليه وسلم ويسري إلى جميع من يكون بعدهم .

وهذه الآية أصل عظيم من أصول الأخلاق الإسلامية . والتقوى تقدم تفسيرها عند قوله تعالى : ﴿ هدى للمتقين ﴾ . وحاصلها امتثال الأمر ، واجتناب المنهي عنه ، في الأعمال الظاهرة ، والنوايا الباطنة . وحق التقوى هو أن لا يكون فيها تقصير ، وتظاهر بما ليس من عمله ، وذلك هو معنى قوله تعالى : ﴿ فاتقوا الله ما استطعتم ﴾ ( التغابن : 16 ) لأن الاستطاعة هي القدرة ، والتقوى مقدورة للناس . وبذلك لم يكن تعارض بين الآيتين ، ولا نسخ ، وقيل : هاته منسوخة بقوله تعالى : ﴿ فاتقوا الله ما استطعتم ﴾ لأن هاته دلت على تقوى كاملة كما فسرها ابن مسعود : أن يطاع فلا يعصى ، ويشكر فلا يكفر ، ويذكر فلا ينسى ، ورووا أن هذه الآية لما نزلت قالوا : ( يا رسول الله من يقوى لهذا ) فنزلت قوله تعالى : ﴿ فاتقوا الله ما استطعتم ﴾ فنسخ هذه بناء على أن الأمر في الآيتين للوجوب ، وعلى اختلاف المراد من التقويين . والحق أن هذا بيان لا نسخ ، كما حققه المحققون ، ولكن شا عند المتقدمين إطلاق النسخ على ما يشمل البيان .

والتقاة اسم مصدر . اتقى وأصله وقية ثم وقاة ثم أبدلت الواو تاء تبعا لإبدالها في الافتعال إبدالا قصدوا منه الإدغام . كما تقدم في قوله تعالى : ﴿ إلا أن تتقوا منهم تقاة ﴾ ( آل عمران : 28 ) .

وقوله : ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون نهي عن أن يموتوا على حالة في الدين إلا على حالة الإسلام فمحط النهي هو القيد : أعني المستثنى منه المحذوف والمستثنى وهو جملة الحال ، لأنها استثناء من أحوال ، وهذا المركب مستعمل في غير معناه لأنه مستعمل في النهي عن مفارقة الدين بالإسلام

تفسير التحرير والتنوير · الجزء ٤ · الصفحة ٣٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تفسير التحرير والتنويرج ٤ · ص ٣٠